شفيق يحيى كتابا
أنطولوجيا المربين
“يوم أنشأ الرئيس وليد جنبلاط الإدارة المدنية في الجبل، لتملأ الفراغ الناجم عن غياب الدولة، لم يتردد الأستاذ شفيق…راح يجول بين المدارس مستخدما سيارته الخاصة، وعند الحاجة سيارة عسكرية، لتنقله إلى القرى القريبة…فيزور المدارس، ويقف على حاجاتها..”( المقدمة).
بين المربي والتربوي، يعجز المرأ أن يختار. ليس لشدة التشابه، بل أيضا، لأهمية الرسالتين في الحياة المدرسية والتعليمية. فالمجتمع يحتاج المربي لعمله في المدرسة. وهو أيضا يحتاج التربوي، للإرشاد والتوجيه. فما بالكم، إذا ما إجتمع الرجلان في رجل واحد. يثري واحدهما الآخر، ويغنيه، حتى حدود الألمعية. وتحكك التجربتان عالم التربية وفلسفتها، وتبلرها، وتجعلها أكثر إشعاعا وأكثر تنويرا. لن أقول هذا شأن المعلم أرسطو المربي والتربوي في المدرسة ومع الإسكندر، لأني أفضل المعلم برهان الدين الزرنوجي(٥٩١ ه.) في الحقل التربوي، عملا ورسالة وإختصاصا، ما حاد عنه طوال حياته، وهو الذي إنتهى بعد طول تجربة ومعاناة إلى القول:
شرط العلم التعلم. وشرط التعلم الكتابة. وشرط الكتابة النشر.
“سفر في الذاكرة التربوبية”، سفر يدون سيرة رجل أمضى سحابة عمره متنقلا بين التعليم والإدارة والتدريب والتفتيش. همه إعلاء شأن المدرسة التي رأى فيها الحل بإعتبارها مصنع الوحدة، وملاذ الفقراء، وضمانة المواطنة، بعيدا عن التعصب والإنغلاق.”( المقدمة- أنور ضو).
“شفيق أمين يحيى. سفر . في الذاكرة التربوية. دار الأنام- لبنان2025: (350 ص. تقريبا)”.
كتابة المذكرات شيء والكتابة في الإختصاص، شيء آخر تماما. غير أن المؤلف الأستاذ شفيق أمين يحيى، في مؤلفه الذي أودعنا إياه، له في عالم التربية هاتان البصمتان. فهو أشبه بكتاب مذكرات فيه من العذوبة، ما لذ وطاب. ولكنه في الوقت نفسه، يحافظ فيه المؤلف على السردية التربوية، ويبين عما فيها من غث ومن ثمين. وهو إلى هذا وذاك، يشوقنا في توالي فصوله الخمسة، لأنها تحاول الإجابة مباشرة أو مواربة، عما يدور في خلد القارئ من تساؤلات. ذلك أن الكاتب، أحسن حقا شرط الكتابة، تماما، كما أحسن شرط العلم والتعلم. على طريقة برهان الدين الزرنوجي(٥٩١ ه.)، لا على طريقة أرسطو. لأنه لم يخرج بعلمه من حقل إلى حقل. بل ظل يحرث في الحقل نفسه. ثم ها هو يختتم حياته، لا أنيس مجاميع الفلسفة، بل أنيس البيادر في المدرسة.
“لكل منا ذكريات وحكايات يسر بها، كلما عرض شريطها أمام عينيه، وأصغى إلى قلبه يخفق لها بجناحيه.”

المرحلة المؤسسة لظهور نجم الأستاذ شفيق يحيى، هي في مدرسته الإبتدائية الرسمية، في بلدته عرمون، حيث نهل عن مدرسين شعراء وأدباء، فأوقدوا فيه صغيرا، جذوة العلم و الأدب. وهذا ما ترك في نفسه إنطباعا أولانيا عن العلم وعن الشعر. كيف تكون المهنية. وكيف تكون الشاعرية. مما أنبأ عنه، أنه سيكون في القادم من الأيام، مدرسا وأديبا ومفتشا تربويا.
” قلت لوالدي.. عندنا معلم للغة العربية، شاعر، لكنه لا يعرف كيف يعلم. وهو فوضوي في طريقته… أجابت اللجنة والدي: كيف تقول يا بو شفيق، إن المعلم محيي الدين الفيل، لا يعرف كيف يعلم، وهو شاعر ينظم الشعر إرتجالا… “
هذا الرقي في التفكير منذ الصغر، كان كأنه النقش في الحجر. إذ مايز بين المعلمين. ومايز بين المدرسين ومايز بين المدارس. فأبان عن ثقافة نقدية، وهو بعد حديث الخبر، بين الشاعر وبين المربي، بين المدرسة الرسمية والمدرسة الخاصة، وكيف تستعير الثانية من الأولى، المدرسين. وكيف تكون الإعارة.
“لقد ذكرت اليوم الأول من دراستي في الداودية، وكيفية إستقبالي فيه. والحصة الأولى من الرياضة البدنية، لأشير إلى أهمية تعاطي المعلم مع تلاميذه…”
مرحلة التعلم والتحصيل الدراسي، لم تكن في حياة المؤلف، مرحلة منسية عابرة. فقد أيقظت في نفسه أوار المعرفة الدراسية المبكرة، حيث العلم يؤخذ بقدر ما يعطى. وحيث السياسة حاضرة في جميع الشؤون المدرسية. بالإضافة إلى الإشارات العابرة، ذات المعنى: تراجع دور المدرسة الرسمية والمدرسين الرسميين، لصالح المدارس الخاصة. إذ وضع الكاتب الملح في الجرح، ووشى بالأطر العامة للسياسة التعليمية، مشيرا إلى بذور فسادها.
“الداودية مدرسة خاصة… كمال بك، وزير التربية، يريد أن يلحق مدرسين رسميين بالمدرسة الداودية في عبيه… لا نستطيع أن ننتدب ألا من كان حائزا رضا المدرسة، والمراجع المختصة، وفقا لما أوصانا به معلي الوزير كمال بك!”.
وضعنا الكاتب أيضا، أمام المشاق التي عاناها معلما في المدارس الرسمية والخاصة. واصفا أياها من الداخل ومن الخارج، كما تسنى له أن يراها. وقال عن هذة المهنة المؤسسة للبناء الوطني، أنها كانت منذ البدايات تحتاج إلى رعاية. وتحتاج إلى إمكانيات. وتحتاج إلى أموال. غير أن المدرسة كانت في واد، والدولة كانت في واد آخر تماما. بحيث تباعدت الإرادات. وضعفت الموارد والإيرادات، وصارت مهنة التعليم إلى التراجع يوما بعد يوم، لولا أن نهضت بها مدارس الخاصة بالطوائف. فأصلحت من جانب، وأفسدت من جانب. وضاع الوطن بين هذا وذاك. وضاعت الرسالة التربوية.
“ترك الأستاذ فندي الشعار المدرسة الداودية سنة ١٩٥٢، وهاجر إلى المملكة… قصده بعض الأهالي في صيف ١٩٦٤ وقالوا له: يا أستاذنا مدرسة القرية مقفلة منذ بضع سنوات… فلنذهب إلى كمال بك بمعيتك ونطلب منه التوسط لإعادة فتح المدرسة..”
في حديث المؤلف عن مرحلة التفتيش التربوي، كان المؤلف البارحة شفافا كما اليوم. فهو يحيلنا إلى توقعاته. وهو يكاشفنا بظنونه. وهو يقدم لنا سجلات التفتيش التربوي، لنقرأ فيها اليوم، لماذا ذهب التعليم بنا. ولماذا ذهبنا به. وربما وصلنا إلى ما يقصده عيانا، حين يضع المسائل التربوية أمامنا: قراءة ونقدا وتحليلا. وهذا الفصل هو أخصب فصول الكتاب، لأنه جمع بين مهنة التدريس، ومهنة التفتيش، وجعل منهما رسالة واحدة.
“… حضرة المفتش، نحن عاتبون عليك، لقد قصدناك إلى بيتك في عيناب قضاء عاليه، بعد معاناة في البحث عن منزلك، لدعوتك مع سائر مفتشي البقاع إلى غداء تكريمي من قبل حزب الله.. فإعتذرت حضرتك.. “
يسوق المؤلف تجربته لنا أيضا: خبرة وشهادات وخطى عملية محسوسة. يضوئ على حفلات التكريم له، بإعتبارها إشادات وشهادات، تبين عن جهود في عمله. منذ أن حمل يراعته، وذهب بها إلى المدرسة للتعلم أولا وللتعليم ثانيا وللتفتيش ثالثا. فبلغ بذلك الذروة في الكشف عن الحقائق التي لامسته ولامسها. بل عن الحقائق التي لابسته ولابسها. فأستاذ شفيق يحيى، رجل المعاناة على كل الصعد: جعل الإشادات والشهادات أوسمة. ولا غرو، فهو المعذب بها، وهي المعذبة به، لأنه كان نظيف اليد والقلب. أعطى كل ما عنده، ليأخذ كفاف عيشه، وكفاه بذلك فخرا وتكريما. لأنه كرم نفسه بنفسه، حتى كان مكرم نفسه بصنيعه وصنعته، لا من خلال التصنييع الذي يصنع عادة على موائد التكريم الخاصة و العامة.
“عندما وصلت أخبار تدابير التفتيش التربوي، إلى دائرة المحاسبة في وزارة التربية، علق أحدهم قائلا: الحمد لله على أنه قد وفقنا بمفتش إستطاع أن يضع حدا لهذة المهزلة… موظفون يستغلون ضعف الدولة وتقلص سلطة الرقابة، أو هم يخالفون التصدي للمخالفات الجسيمة..”
يتحفنا المؤلف حقا، في جميع المحطات التي شهدته وشاهدها. وكأنه أراد أن يذهب بنا إلى الدنيا العامة، بعد تجاوز باب العلم و العمل والمدرسة والتفتيش التربوي. كشف عن أوجاع الناس في الإغتراب. وعن محنة الحروب. وعن لقاءات الهروب. في الداخل وفي الخارج. وهذا لعمري ما شكل في نفسه، بعض الجروح وبعض الندوب. وهو اليوم إذ يعود بها إلى “سفر في الذاكرة التربوية”، فلأنها تمثل في نفسه أنطولوجيا الرسالة التربوية. فلا يظنن أحد أن كل شيء ينتهي، عند الخروج من باب المدرسة. فالرسائل عادة ما تكون مخبأة في الأثواب، وهي عطر الناجحين الناجين، مثل الأستاذ شفيق أمين يحيى، الذي كان أمين و قمينا حقا:
أودعنا في كتابه، بكل حصافة، أنطولوجيا الرسالة التربوية.
“إما بقية رحلة العمر، وما يمكن أن تشهده من معاناة ومسرات وأعمال وإنجازات، فذلك في علم الله….”
شهادة: “ساهم شفيق يحيى في تغيير النظرة إلى التفتيش التربوي، ولم يقتصر في مهمته على تسجيل السلبيات، بل كان دائما يسلط الضوء على الإيجابيات، فيثني عليها ويعممها على سائر المدارس نادى شفيق يحيى بطرد الفقر من المدرسة الرسمية. وسعى إلى مدرسة رسمية قوية، تبني وطنا متماسكا”
( فؤاد هيدموس/ رئيس التفتيش المركزي)
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين






