الإقامة الشعرية
الرحلة في طلب الأماكن، مبعثها الشغف، إذا ما تنزهت عن الأغراض الأخرى، مثل العمل والعلاج والتعلم. ذلك أن طلب الأماكن، لهذة الغايات التي ذكرتها، أو لتلك التي تماثلها، وما ذكرتها، إنما مبعثها مادي بحت. لأن طلبها، يتمثل في الوقوف على حاجات، إنما يحتاجها المرء، فتلح عليه حاجته في طلبها، في هذا المكان أو في غيره من الأمكنة. إنما طلب المكان لشغف به، فهو وجداني بحت. إن لم نقل، إنه طلب روحي بكل معنى الكلمة.
الإبتهاج بالأمكنة مبعثه الشوق لتمثله بصريا، بعد تمثله روحيا وقلبيا وعقليا. فالإنسان يحتاج لرؤية ما يحب ويعقل ويعشق، في صورة مشتهى بعيد، يرحل إليه ليصير قريبا من عينيه وتتحقق الأمنية.
هكذا هي حال الشاعر في قلقه لرؤية القصيدة محققة ماثلة على ورقه، بعدما كان قد خب في الأفياء والأنحاء. وراح وجاء مثل الفرزدق على ناقته، يبحث عن قصيدة. يريد أن يستهدي إلى محل إقامتها، حتى ينيخ ناقته، ويستريح. يروح النفس بين أنحاء الشعر، حتى يظفر بالقصيدة التي خرج في طلبها.
طلب الأمكنة بدافع من الشوق، إنما هو أشبه بطلب القصيدة، في مكان إقامتها. المعاناة نفسها. والتبريح نفسه. والكد والجد والمراجعة، والعودة لتجديد الزيارة، على قاعدة من مراجعة القصيدة. لعمري هو عمل شاق ومضن، غير أن إنجازه، يحمل إلى النفس، نبعا من العذوبة. وقديما قال أهل الصوفة: “من يذق ير”.
كل مرة أطلب فيها الأمكنة، أشعر في عمق أعماقي، أني شاعر الأمكنة. أخصص في ناحية منها الإقامة الشعرية. فإذا ما عدت عنها، حملتها في نفسي كما كان يحمل الفرزدق قصيدته على هودجه معرسا، وهو يعود من البادية إلى أهله في البصرة.
التوحد مع المكان هو غاية لا ينفذ بها، إلا بضرب من الشوق، الذي يشبه شوق الشاعر إلى القصيدة. يريد أن يحقق ما تشتهيه النفس، فيضرب فيه قبة من أدم أحمر، كما كان يفعل النابغة، حين يرحل. وترى الشعراء يتهافتون إليه، ويتنافسون على بابه. وهو المحكم بينهم. يجعل من إقامته الشعرية، محكمة للشعر. فيقضي للخنساء. ويبطل حسان. ويقول له: “إذا كان لك بيضتان، فلها أربع”.
الإقامة الشعرية، هي أعظم الإقامات في الأمكنة. يرحل إليها المرء قاضيا بين الورد والشوك. بين الجدول والنبعة. بين الوادي والنهر. بين الترب والصخر. بين البحر والرمل. بين مقام المريخ، ومقام زحل. بين الدوح وبين العشب. بين البوادي والصحارى. ولا غروى، لطالما كانت الإقامة الشعرية في الربع الخالي، أشوق من بادية تخضل في أثوابها، يوما بيوم. ودهرا بدهر.

الإقامة الشعرية، ربما تكون، في أعالي “جبل رويال”، بين أحضان الطبيعة الهادئة. يضرب عليك الشجر المزهر قبة لازوردية. وأمام عينيك تتلألأ البحيرة الهادئة. يهبط إليها الطير، يحمل بالمناقير، ما أحسنت إليه من مائها العذب. وتتفتح على حفافيها الورود والزهور. هناك في وسطها صبي يجدف على ظهر “حسكة” إستعارها. وهناك على العشب، طفل يحبو إلى عمره مسرعا. وأم تنادي بعاد إبنتها عنها. شاقها البعد قصيدة.
لا يظن المرء، وهو بين أحضان “جبل رويال” قبالة “مونتريال”، لجهة الغرب، إلا وهو في الإقامة الشعرية، الشبيهة إلى حد معقول بالإقامة الجبرية. لأن من يزورها، يظل منجذبا إليها، عاش ما عاش من حياته كلها.
شاليه جبل رويال
في “شاليه جبل رويال”، جميع من تسلق أدراجه الخشبية، وحط أقدامه على العتبات، يجد في نفسه شوقا إلى الشعر. شوقا إلى قصيدة. فبعض الأمكنة، إن نزلت فيها، تعلمك الشعر من حيث لا تدري. تعيدك إلى البراءة الأولى. فلا يحتاج إلى العاشق/ المشوق، ولا إلى الفراهيدي يوقع أوزانه لك. هناك غيمة، تضرب بشالها الأبيض عليك، وإذ أنت عروس من الشعر، تذكرك ب”عروس من الزنج” في الليلة المقمرة. تستيقظ في نفسك روح أبي تمام وروح البحتري. وأما إبن المعتز، فتراه من بعيد طلقا ضاحكا، مثل ربيع زاره في إقامته الشعرية، يوم كان خاليا.
الذهاب إلى الإقامة الشعرية، هي خاصية الإقامة الجبرية في المكان الذي ينادي علينا. ويظل السؤال معقودا على جبيننا: لماذا تنادينا الأمكنة. لما تطلب منا أن نوقع تحت مضاربها قصائدنا وأشعارنا. لماذا نوقع بين نبعاتها شوقا نكابده ويكابدنا، ويظل طي صدورنا.
الإقامة الشعرية، دعوة مفتوحة من ربات الشعر، أطلقتها من أعالي جبل الأولمب ذات يوم. وسالت بها عبقر في وديانها. هلا علمتم إن “مؤنس الذئب”، كان لبيد بن ربيعة العامري. إختار أن تكون إقامته الشعرية معه. فضله علينا. فإنتبه لذلك الأحيمر السعدي، فقال:
عوى الذئب فإستأنست بالذئب إذ عوى/ وصوت إنسان فكدت أطير.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين الى جانب بحيرة رويال قرب مونتريال في كندا






