٥٣٦- عبد الحليم حمود رواية
سوسيولوجيا التفاهة
“إليك أنت أيها الحادث البيولوجية. يا “هدية” لم يطلبها أحد. يا نتيجة فعل حملوه إسما شاعريا: الحب. لكنه في الحقيقة، لم يكن سوى لحظة من نزق مكتوم.جرى عبر الأرحام، كما تمر نظريات خاطئة في كتب المدارس”.
أحدث الصيحات، في السرديات المعاصرة، هو الذهاب إلى أدب السخرية، لدى الفلاسفة والمفكرين والباحثين، والكتاب الروائيين. فلا شيء يوازي عندهم، تتبع تفاصيل الحياة اليومية بعناوينها الكبرى أم الصغرى، إلا حين تحمل التفاهة و السخرية معا، على محمل الجد. وينصرف الكاتب لتقميش ما يقع له في هذا الباب، لدى المتأملين والمتألمين، بإعتبار حصاده في آخر اليوم، إنما يشي بالإنبساط أو بالإنقباض. وذلك من حالات النفس المتحولة عن الرتابة، إلى التوتر بكل درجاته، وبكل مندرجاته حتى الذروة. وأما الأدب الروائي، فهو الذي يعشش، إما في القيعان، وإما في الذرى، حيث يحلو للروائي، ما لا يحلو لغيره، في الوقوف على المكتوم من الجنى.
” عبد الحليم حمود. دار زمكان- بيروت 2026: 186ص. تقريبا”.
غلاف رواية ” رحم أزرق ” للكاتب عبد الحليم حمود
عبد الحليم حمود، صائد الفراشات المتحولة. يقع على الحادثات اليومية، وينحتها بأدبه، حتى تصير منحوتة أو نموذجا أو نمطا تجريبيا. فهو بحق، راوي التجربة. يفوز بها ويجعل منها إشكالية، تستحق أن يتأملها القارئ، بكل حصافة وبكل دقة وبكل روية، لغناها بألوان الحياة، بما فيها من توافه وسخريات. يتابعها الروائي عبد الحليم حمود، ليصوغ منها، علما حداثويا، يجري في الأنفس، قبل أن يصير على تقاليد معرفية.
رواية “الرحم الأزرق”، تحيلنا إلى سوسيولوجيا التافه في حياتنا. وكيف أنه يشكل أسسها اليومية. يتقن الكاتب فن الإبهار وفن الإدهاش، بما يقع لنا في طريقنا. حتى ليكاد أدبه يشكل عاميات الناس، في البيوت وفي الأسواق وفي المعاملات. يتسقطها، من نفسه، قبل أن يتسقطها من غيره. ويضرب المثل بها.
“إستيقظت كما لو أنني أنزلق من رحم أزرق مرميا من طبقة زمنية أخرى، دون أن أفقد ذاكرة الحيوات السابقة”.
أشياء بسيطة تجري بنا وتجربنا، يصنع منها الروائي الأستاذ عبد الحليم حمود، الأمثولات في صفوفنا. فإذا ما قرأنا مكتوباتها، في الرواية، يصير من السهل علينا فهم قوانينها العامة.
“أنظر إلى ساعدي الأيسر. أنا أيضا أحمل وشما بالتالي. يبدو أنه أسم إمرأة ما “ميسالا”. حين أنطق بهذا الإسم تتفعل عصبونات حاملة في جهازي العصبي.”
التفاهة، كما السخرية، لكل منهما قوانينها. قصد الروائي، هذا الباب، ليبرهن أن التفاهة هي أصل العالم. وأن السخرية، إنما هي طريقة أخذنا بها.
“كان الإنفجار نقطة إنقطاع، لحظة كسرت الإيقاع الطبيعي للأشياء. كان الواقع قد تصدع.”
الروائي والكاتب عبد الحليم حمود
بخلاف الأدب الجاد، يرى عبد الحليم حمود، أن التفاهة أغنى، لأننا متى وقعنا عليها في حياتنا، جعلنا منها مادة لإضحاكنا. فما بالكم إذا أثنى عليها بالسخرية، وهو صاحب فن بها.
“أنا هنا نعم. لكنني لم أطلب أن أكون جزءا من هذة اللعبة”.
أدرك الروائي المعاصر الأستاذ عبد الحليم حمود، بثاقب بصره، أن الناس إستثقلوا الجد، فمالوا إلى الهزل. فراح يجمع لنا مادة عظيمة من التفاهة ، التي تغرق حياتنا، ونحن لا ننتبه لفصولها. وقدمها لنا بأسلوبه الساخر، حتى كأنه يبكينا وهو يضحكنا. فكان بذلك رائد العمل الروائي، الذي يتخذ من التفاهة فصولا عظيمة لسردية تبدأ في نفوسنا، ولا تنتهي عندها، لأنه إستطاع أن يحولها إلى علم السوسيولوجيا، الذي هو الأقدر على صياغة القوانين لها.
“أنا لم أفقد وعيي. بل كنت أرى أشياء لم يعد الآخرون قادرين على رؤيتها.”
فالرحم الأزرق ، لعبد الحليم حمود، إنما تقول بالقواعد الإنضباطية لعلم سوسيولوجيا التفاهة والسخرية، بما هي علم إنساني قديم يضرب بجذوره إلى فلسفة أرسطو في التراجيديا والكوميديا، برابط من المونولوغ، الذي يخرج من نبعة القلب، في ذروة المشهد الباكي، على أحولها العصرية.
“أقنعت نفسي بأن هذا محض تشوه بصري. خدعة أخرى من عقل مراهق . من وعي لم يعد يثق بحدود.”
عبد الحليم حمود، الروائي الرائد والمعاصر والحداثوي، الذي إستطاع أن يجمع بين الجد والهزل، أين منه الجاحظ، في البيان والتبيين، وفي كتاب الحيوان، وفي جميع رسائله التي درست أوضاع الناس، وجعلتهم يبكون منها، بقدر ما يضحكون عليها. وقديما سبقنا الشاعر إلى هذا المعنى، حين قال:
يبكي ويضحك لا حزنا ولا فرحا/ كعاشق خط سطرا في الهوى ومحا.
” سريال يخرج من مركز الشرطة كمن يعبر بابا بين عالمين”.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين






