“تانغو”… على حافلة الكلمة
(كلمة رئيس منتدى ” لقاء ” الدكتور عماد فغالي في توقيع “تانغو على حافّة القدر” للكاتبة نورا علي المرعبي في حديقة مركز تمّوز جبيل).
“هذه ليست قصائد حبّ”، تقولُ جامعتُنا الليلةَ، هذه “تانغو على حافّة القدر”. تانغو رقصةٌ ثنائيّة حميميّة، دراميّة، فيها الكثير من الشغف والكبرياء والحزن… بين مفهوم التانغو العامّ، النشأ في الأرجنتين والأورغواي أواخر التاسع عشر، وتعريف نورا المرعبي لمضمونات مجموعتها “صراعٌ بين الاقتراب والانسحاب… بين أن نحبّ حتى الذوبان، وأن نتوقّف عند الحدّ الذي نحمي فيه ما تبقّى من أرواحنا”، هويّةٌ وجوديّة شاملةٌ “تانغو على حافّة القدر”، وكاتبتَه التقول نفسَها وتعرضُ لقناعاتها المكتسبة في المادّة المشاعريّة التشكّلت بوحَها الشفيف: “كتبتُ هذه النصوص لا لأشرحَ الحبّ، بل لأتركه كما هو، غامضًا، جارحًا، جميلاً ومربكًا”…
هويّة الكاتبة التشكّليّة تشملها نصيًّا عبر تعبيريّةٍ لا بدّ لها، في خصوصيّةٍ تميّزيّة. نقرأها في بعض عناوينها: “بعضُ اللقاءات لا تجيب، بل تزرع سؤالاً لا يموت”، “حين لا يعود الحبّ احتمالاً”، و”ما ظننّاه النهاية، كان طريقةً للاستمرار”… قد تحاول العناوين أن تدخلَكَ في عمق الحالة الذرفت مدادًا، لكنّها تأخذُكَ في رحلةِ النفسِ التفكيريّة إلى مَواطن الكيان والوجود… وفي متن “تانغو على حافّة القدر”، رقصةٌ على حافلة الكلمة، ما يجعلنا نتوسّم في المشهديّة اختبارَ نورا المرعبي الآتية من عالمها البعيد إلى تجلّياتها الأدبيّة عشقَ الكلمة التنشل من الحافّة إلى حافلة الارتقاءات المشاعريّة في علوات الإنسان العميقة، ما يتخطّى خضوعاتٍ للقدر اللا إرادة!
في مفهوم الحبّ، تتقن نورا المرعبي إدراكَ كم حالةٌ هو بين كائنين، يروحُ في ترنيمةٍ راقصة، لا فرحًا ولو فيه منه، بل عيشَ أخذٍ وردّ، يمكن أحيانًا من دون ردّ، أو بردٍّ جارحٍ، جارف، “لا لأنّي أنتظر، بل لأنّ بعضَ المساحات تُخلق هكذا”، تقول! هي في سؤالها الحبيب “لماذا دخلتَ حياتي ككسرٍ في معنى الطمأنينة؟” تخبر نفسَها كم الحبُّ لها لائقٌ بما لا يزعجهما (هي ونفسُها)، وهو الجائز والواجب عيشًا وحقًّا!
تستمع نورا المرعبي إلى نفسها تحبّ… هوذا نبضُها استحقّ رقصتَها التانغو عبر السياق كلّه! انسيابيّةُ مشاعرها كشفٌ تبعته شعرًا راح في الحداثةِ أسلوبًا بين سردٍ كأن روائيّ في مكان وحوارٍ كأن داخليّ في كلّ مكان!
تتصدّر الأفعال الماضية، أو تلك الآتية وظيفتَها في السياقات الشعريّة لنصوص نورا المرعبي. “لم يكنْ، كان، لم تدخلني، وقفتُ هناك…” ما يعطي انطباعًا أنّكَ في سردٍ إخباريّ… وهو في الواقع مشبعٌ بالعنصر التشويقيّ الذي يقبضكَ لا تفلت تريد بعد. وهذا نادرٌ في النصّ الشعريّ، يسجّل لنورا المرعبي تميّزًا!
الشخصيّتان، “أنا” ضميرُ المتكلّم يجيب في الامتداد النصيّ كاملاً عن تصميم شاعرتنا في تقديمها المجموعة، على توصيف الحبّ حالةً تعيشها وتسأل: “هل كان هذا حبًّا… أم امتحانًا لروحي”. والرجل، دلالةَ السياقُ يصنّف ولو شعرًا ووجدانًا، سيرةً ذاتيّة لحالةِ الأنا الحبيب!!
بديهٌ طرحُ نورا الحبَّ إشكاليّةَ مجموعتها، لا لتعالجها، بل لتتكوّن خبرتَها عبر تجربةٍ عاشتها تلذُّذًا ومعاناة! وهي في نصوصها تقولُ حالَها المتفاعلة ولا تتعرّض لحرّيتكَ متلقّيًا، بتأثيرٍ موقفيٍّ أو مشاعريّ!
نورا المرعبي، قد يكون الحبّ رقصةَ الشعر الملكة، تبادلتها يراعاتُ ربّات الكلمة على حافّات أقدارهنّ. وكان الرجلُ بطلَ أحاسيسهنّ الجريحة، حبيبًا تركَ ندوبَه تقضّ جوارحهنّ الرميم. وأنتِ، زرعتِ في بيادرِ الشعرِ مساكبَ من سنبلاتٍ مضيئة لحداثاتٍ إشكاليّةٍ موضوعاتيّة، ملازمةٍ غدًا نصيًّا مختلفًا، آتيًا على صهواتٍ إبداعيّة مشرقة!!
الكاتبة نورا المرعبي تقدم كتابها للدكتور عماد يونس فغالي







