إلياس العطروني رواية:
الناب/ قوة اللعب
“لماذا لا أحدثكم عن أحمد؟
هو إبن عاهرة تدعى سليمة. لا أحد يعرف من أين أتت. ولدت فجأة في آخر الزاروب الذي كانو يسمونه زاروب المحششة. ولا أعرف لماذا. فلا محششة هناك ولا احد يذكر وجودها.”
بقدرة الحكواتي المدهش، ينتقل الروائي بنا من مشهد إلى مشهد. ومن فصل إلى فصل. ومن غاية إلى غاية. تراه يتعمد تسليتنا وإضحاكنا، أم يريد أن يعلمنا، كيف تجري فصول الحياة بنا، بكل حزنها أو مسراتها. أم أنه يريد أن يرسم حدود تعاستنا دوائر دوائر، ليرينا حزنا يستيقظ حزننا. وهْما يوقظ الهموم عندنا وموتا نراه قريبا من عيوننا.
الروائي، أم الحكائي أقول، يعمل على جعلنا دمية بين يديه، يحملها على أطراف أصابعه. يلاعبها، إذ هو يلاعبنا. ويقول أمامنا:
هذا هو أنتم، بعض فصول هذة الدمية التي عركت أذنها. فتحركت لتفرحكم وتحزنكم، وتجعلكم تنامون، على أحلامكم، كلها، بمرها وحلوها. وحين تستيقظون، لا تجدون شيئا منها.
“إلياس العطروني. الناب. دار الآداب- بيروت. ١٨٥ ص. تقريبا”.

يحاول الروائي المخضرم، إلياس العطروني، أن يجعلنا نتنبه إلى جوارنا. بل إلى ما في دواخلنا. يريد أن يستيقظ جميع الأفاعي علينا. وأن يسمعنا صوت فحيحها، حتى ينبهنا إلى أخطارها. فالحياة كما أراه يقول لنا، ليست كلها على إيقاع واحد. ولا تعرف طباع التدوين والتدوير ولا حتى فنون الكتابة. بل هي من جزئيات الموج الهادر في البحار والمحيطات. وكذا هي أيضا، من بنيات الطريق إلى الغابات. حين نصير كلما دبت الدابة، أو على الذئب، إذ عوى، إلى مجتمع الغابة.
“دائما عندما يلتف زندها حول عنقه ويغرق في بحر البياض، ينسى كل شيء وينتبه إلى ذلك بعد مرور الساعات، ولا يبقى أمامه سوى الإنتظار طوال النهار للجلوس على الشرفة، طوال الليل ينتظر سليمة.”
يهمس إلياس العطروني على طريقته المحببة، في آذاننا، أنّ العالم الذي هو في داخل الإنسان، هو الذي يعيشه حقا، خفية أم علانيّة. وأما المحيط الإجتماعي، فما شأنه إلا ترتيب الأوراق لنا. لا يضيع علينا ورقة منها، لأنها من لزوم السجلات والدواوين والمحاكم والسجون ودور العلاج. والمخافر التي تسهر على النظام العام، في غفلة الإنفلات من القواعد والشرائع والسنن.
“حملت أم السعد كل ذلك وأتت إلي. كان أصيل يوم قائظ. وأنا على الشرفة المطلة على الزاروب أحاول الحصول على برودتين: برودة المروحة الكهربائية التي وجهتها على جسدي من داخل الغرفة. وبرودة نسمة قد أصطادها في صيف بيروت المحتدم.”
الروائي الياس العطروني
بتوالي فصول روايته،”الناب” ، نشعر أن إلياس العطروني، كان يتتبع خطى هذا العالم، إلى أخطائه، أم إلى خطاياه، أم إلى عاداته. أم إلى ما إعتاده وهو يتقدم على دروب الحياة. هذة هي حلية وحيلة والروائي الذي يعي شعاب الدنيا، وفصول الحياة. وكأنه محقق جنائي.
“كان أسعد… الرقيب أسعد. جار شقيقي في ساقية الجنزير، تقدم مني. لم يصافح ولم يسلم حتى…
-إذهب إلى منزلك.. أراك غدا… فهمت؟”
يسرد إلياس العطروني بعض فصول الحياة التي جسّها بيديه. وحرّرها بعينيه. وسهر عليها، حين كان يعس الليل، على أرصفة المدينة، أو حين كان يجوس في أحشائها.
“- ماذا جرى؟… سألوني عن كل ما لا أعرفه. عشرات الأسماء لم أسمع بواحد منها. وكل إسم بركلة أو لكمة. المهم أنه بعد عصرها، تبين أن الإسفنجة ناشفة، فتركوني.. “
يرتب فصول أبطاله ، كما في السجلات التي كان يقرأ فيها، أسماء الذين نزل بهم قدرهم إليها. يسرد علينا بعض قصصهم. ويقول لنا: إسمعوا وعوا. هذة هي حقيقة دنياكم: إنغماس وضياع، قبل أن تكون كدا وكدحا وعملا.
“كانت القصة قريبة من قصة سليمة وأبو السعد بشكل من الأشكال، في قواسم مشتركة وأساسيات.
إرتحت لردة فعل دعد… ودخل أحمد حياتنا…”
إلياس العطروني، روائيا: بذ جميع من عاصر من أهل الرواية والأدب. جازهم خطوات وخطوات، وذلك بفضل ما كان بين يديه، من دفاتر ومن سجلات. يكتب الرواية تلوى الأخرى، تماما كما يحوك الفصل تلو الآخر، وكأنه يجس الدروب، في الشعاب المتفرقة.
“لكن من يفعل ذلك؟!… لا أحد!… إذن ما هو وضع الأولاد الذين يولدون بعد ذلك؟… أولاد حرام… هل رأيت ما أكثرهم؟ يا رحيم، يكاد رأسي أن ينفجر.”
زاد المخافر والشرطة والأمن كان بين يديه. وكذلك الأضابير التي كان يراجعها. والمأموريات التي كان يذهب لتنفيذها. كانت قوة اللعب، تحمله إلى ظهر الغيوم مرة، وتنزل به إلى القيعان مرة أخرى. يبحث عن حقول المرجان في دلج المدينة المخمورة. كان حقا كما قادم إلينا. إلى معمورة الجن والأبالسة. يريد أن يصف عالما يغري بنا.
“يا الله كم كنت غبيا، طوال هذة المعاناة. لم أعرف عيني أحمد المزروعتين في هذا الجسد القبيح… هما بعينهما، بذات المسحة الخفية في الطيبة الممزوجة بحزن مجهول…
ولكن أحمد!؟… وصفاء!؟.”
الأستاذ إلياس العطروني، دنيا الرواية المعاصرة. لا تمل القراءة ولا نشيجها ولا نسيجها. لأنها حقا أنت تنسل من بئر قديمة تظنها مهجورة.
“الحرب تصنع القصص العجيبة. أو ما نظنه عجيبا، ربما، لمخالفته المنطق، أو المعتاد، أو الإيقاع الحياتي.”
قوة اللعب الروائي عند الأستاذ إلياس العطروني، تحملنا حتما إلى أحضان المتعة. فلا الأسماء ولا الأدوار ولا المواقف ولا الأصوات والكلمات المتقاطعة، هي سبب سعادتنا ونحن ننغمس في حكاياه المدهشة. بل هي سعادة القارئ حين يقع على المخبوءات في السجلات والدواوين، حيث المضبطة وحيث المحبس، وحيث قوة اللعب، على الحبال، وتعلم القفز بين الفصول. وتعلم درس القراءة في المدرسة الإبتدائية من الحياة.
“لم تطل فترة الإنتظار لمعرفة ذلك… إستقال من عمله الجديد… أبلغني ذلك في حيادية يبدو أنها نسيت شلل الأطفال والحديث الشريف وكل شيء. إلا العصابة السوداء على البصر والقلب.”
الأستاذ إلياس العطروني راويا، يحكي لنا قصص الذين غادرونا، وظلوا فينا. لا تزال أنفاسهم على أثوابنا التي نلبسها في حياتنا. يستيقظنا أبو طارق ( الياس العطروني ) ، على أشطار من حياتنا، هي بعض نسيج أيدينا.
” – ما هو الذي وجدته؟!
-العمل. العمل الذي يناسبني وترتاح إليه نفسي.
– مبروك… ولكن ما هو؟.
-حارس مقبرة، حارس مقبرة…”
قوة اللعب في روايته “الناب” ، إنما يسدد فيها الضربات تلو الضربات. لمجتمع أنهكته قواه الخائرة. ولو أنه يضرب تحت الزنار ويؤذي رخاوتنا، رخاوة الإنسان في الخاصرة!
“رفضت التخلي عن الصورة كما طلبوا.. بين الفينة والفينة، أضعها تحت ضوء الشمس كي أتأكد وأتأملها… تخرج عيناه من الصورة، وتكبران… تكبران آلاف المرات…
وأتأكد..
– أتأكد من أنهما عينا وحش كابوسي…”
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
الكاتب د. قصيّ الحسين ( بعدسة الفنان صالح الرفاعي )







