لعنة الفراعنة
بقلم الأديبة ذُكاء الحُرّْ
“لا يوجد نظام أخلاقي في العالم، طالما يمتلكون القوة سيتمكنون من إخضاعك بإسم العدالة.”
هذا مما قاله الشهير مكياڤيللي، الذي يقرّ في مُطارحاته بأنه “لا يوجد نظام أخلاقي في العالم.” كما ان الفيلسوف اليوناني تراسيماخوس (459 -400 قبل الميلاد)- وهو خطيب ينتمي الى حركة السفسطائيين- يقول: “العدالة ليست سوى مصلحة القوي.” ويقول: “الديبلوماسية تُعنى بمداعبة الثعبان حتى تجد الفرصة لقتله.”
وفي زمنٍ صرنا نتوسد فيه البؤس، والحلقُ يضيق تحت صهيل الرعب وفحيح الدمار، ونباح البغضِ و الكراهية، أصرّت الدموع على أن تظلّ مُتمردة، عصية، مُكابرة، تبحث عن منفذ هواءٍ يرمِّمُ أنفاس الخواء و مرارات البلاء، كما تبحثُ عن بدائلَ لأبواقِ النفاقِ التي تنعق في كلِّ مسامِّ وسائل الإعلام، والعالمُ يتلقى السُمَّ العابق بروائحِ العنصرية وجبروت القوة وطغيانِ الأنانية اللا إنسانية. والعدو مازال قطاراً سائقه مجنون يخبِط يميناً ويساراً بلا مكابح، فاقِداً الإنسانية و العاقِلة و الضميرَ الوازع.
ومع شهوتِه المتوقدة الى زرع الخراب والدمار في أرضنا، جاء موعد بطولة كأس العالم في كرة القدم التي تُنظَّم فيها المباريات بين دولٍ من سائرِ قارات هذه الكرة. وثمة حماسٌ جماهيريٌ عالمي يجعل من موسمِ المونديال كل اربع سنوات ظاهرة رياضية جماهيرية متمايزة بأرقام المُتابعين والمؤيدين و الشغوفين والمنحازين الى فريقٍ ما، أو لاعبٍ ما. وتترافق هذه الظاهرة الرياضية الجماهيرية العالمية مع توقعاتٍ و رهاناتٍ و تصنيفاتٍ و مفاجآتٍ، كما و بات ثابتاً انّ الاداء فيها شيء و الفوز النهائي شيءٌ آخر.
و لأول مرة أتابع بإحساسٍ دفينٍ مباراة الفريق المصري “الفراعنة” كما الفريق الأرجنتيني الذي لا أعرف عنه الا ان بطله لاعب خارق لا يُضاهى و لا يُجارى. الحسُّ القومي العربي حاضرٌ حتماً ولا غضاضة في إعلانه لأنه محركٌ أساسٌ لي لمتابعة المباراة. فريق عربي يواجه فريقاً آخر مشهوداً له بالريادة و القيادة والبراعة. ابتدأ اللعب و ابتدأت علاماتُ الكياسةِ و السلاسةِ و اللياقةِ واللباقة تتجلّى للرائين، لكل العيون مهما كان لونها وجنسها و جنسيتها. براعةٌ فائقة ومهارة شائقة. الروح لدى اللاعب المصري تُزهرُ في ملعب له جغرافيته وتاريخه وسياساته ومصالحه. رأيتُ الروحَ العربية مُجسدةً في لاعبي الفريق المصري بجمالٍ و جلال ونورِ ثقةٍ لامعة، ورغبةِ تفوقٍ جامعة. كيف أُجهض كلُّ ذلك الإبداع المُتجلي بأداءٍ راقٍ، مُتقن مدروس، محروس بإيمان المجموعة بقدراتها و مهاراتها وحقها في إثبات الذات. كان في لعب الفريق المصري وبحق ومضُ جمال، وشرارات إبداع ورياحينُ نصرٍ، وهالات غارٍ قادم، و علاماتُ نُضجٍ صادم. كلُّ عروقنا تجهزت للغناء، كل طاقاتنا الموؤدة تأهبت للبناء ونفض أكفان التراجع والفناء. و لبرهةٍ خلتُ اننا سنقرع الأجراس ونقيم الأعراس، وإذا بنا يُعاد صلبنا مرةً جديدة، ويُطمرُ تفوقنا. أكثر من اي وقتٍ شعرتُ انّ القلبَ جاهزٌ للغناء وملءِ السماء بأغاني نُضجِ الكروم و إخضرار الحقول في أرضِ الأمةِ العطشى.
كل الشباب العربي، تلك اللحظة تَفرَّستُ في توقهِ وطاقاتِه من خلال اللاعبين المصريين، وأدركتُ كم ان اجيالنا صارت ناضجة لمواجهة تحديات الحاضرِ و المستقبل.
ولكن، ولكن انتهى مشوار الفراعنة مع الفوز وانتهت صور الحلم الكبير في المخيلة. كانت الخسارة حبلى بكثيرٍ من التجني والتحيز والإفتراء. لِمْ يا تُرى كل هذا الانحراف عن الحق والصواب حين يكونان في خانة العرب؟!!
الحَكَم ضَربَ إنجازات المصريين المتفوقين حتماً كما ضُرِبت نزاهتُهُ و موضوعيتُهُ وأمانتهُ في تحملِ مسؤوليةِ التحكيم. نعم، نزاهةُ الحكم تصدّعت، وهَوَت معها نزاهة الجهة المُنظمة برمّتها. هذه الجهة المُنظمة غدت اليوم أشبه بحصانٍ رياضيٍ جامح تجرُّه عربات سياسية و عنصرية حاقدة ومُتآمرة.
ولكن رُغم الخسارةِ ظل المكسب كبيراً، و في الطليعة كمُّ الثقةِ بشباب طامح جامح، باهر ماهر، مُجاهِرٍ بانتمائه العربي الأصيل، زاهرٍ بقدرته على توحيد وجدان الشعوب العربية، ساهرٍ على شدِّ أواصرِ التفوق و المثابرة والمكابرة، والالتزام والاهتمام بإحداثِ عدوى التفوق لكل شباب الأمة و طلائعها القادمة.
و مهما فعل الحكم و تجنّى وتآمر وانحرفَ، لن يُفلحَ هو ومن خلفَه في هزيمة الثقة بالذات التي باتت تملأُ الفضاء النفسي والوجداني، ولا في طمسِ قُدرات شباب الأمة. قوى الشرّ لن تتمكن بعد اليوم من كبحِ انتظام التفوق الواثق المدعّم بقيم راسخة فينا ويجهلها خصومُنا و اعداؤنا.
وللأسف فإنّ سمعة الجهة المُنظمة لمباريات كرة القدم العالمية، صارت موضعَ شبهة ومادة سخرية، وموضوع تندُّر و تحليل و استنكار و اعتراض ورفض تتسع دائرته يوماً إثر يوم، إذ لم تتم مراجعة الحكم أو محاولة التحري عن الحقيقة وكشف الخلل للأخطاء. الوقوع في الخطأ أمرٌ طبيعي بشرياً وواقعياً ولكن التغافل عنه بالإصرار عليه وسدِّ الآذان عن كل الأصوات الناقدة والرافضة أمرٌ جديدٌ يضيفُ إلى إشكالية الشك شكوكاً واشكاليات إضافية.
و يظلُّ السؤالُ مِلحاحاً: لماذا تسعى دول كبرى لرعاية هذا التحيُّز أوالإنحياز ضدَّ أُمَمٍ و شعوبٍ ناهضة يُراد لها دوماً الخضوع والتبعية والتسليم بمحدودية قدراتها وطاقاتها خدمةً لمن يرتبط كيانُه السياسي بكيان العدو الإسرائيلي.
ولا بُدَّ من الاعتراف أخيراً بأنه رُغم ملابساتِ ما حدث فإن مِصباح الحقِّ والعدلِ لن يخبو، ومرايا النفاق والخداع لن تُشكلَّ بعدَ اليوم ميزاناً للعالم، فتقنيات التواصل والاتصال أضحت مرآةً صادقةً جامعة محايدة، “يا أبتاه لا تغفر لهم لأنهم يعلمون ماذا يفعلون.” ونُقرّ بأن “المطر الغزير يأتي من الغيوم الأكثر كثافة وظُلمة.” كما أنّ الأرضَ لن تمنحَ ولاءها لغيرِ أهلِ الحقِّ بها. ولن تُثنيَ هذه المواقف أصحاب الإرادة الصلبة عن إكمال إنجازاتهم و مُراكمة براعات أدائهم. ودافِعُنا دوماً ثقةٌ بذات هذه الأمة ونبضِها مع العلم أن أشرسَ أنواع التوحش تملأُ الذاكرة التاريخية بصورٍ بربرية مُنكرة ومُستنكرة إنسانياً ودينياً وحضارياً. نُدركُ كم أنّ التوحش يجتاح الجغرافيا و الاجتماع والإعلام والسياسة والضمائر والألسنة. ولكنَّ الأرض لن تمنح ولاءها لغيرِ أهلِ الحقِّ بها، فالتدمير لا يعطي صكَّ ملكيةٍ للغازي المُتوحش. فلا اليأسُ يهزمنا، ولا الأحزان تكسرُنا، وإلى أن يفرحَ القلبُ قريباً، سنبقى وتراً يعزفُ نزيفَ هذه الأمة.
ها إنّ القدرَ العادِل قد سانَدَ موقِفَنا و ثأَرَ للحقِّ العربيِّ المَهدور وها هي إسبانيا التي تؤازرُ قضايانا، و في طليعتها قضية فلسطين، قد تمكنت بقدرات فريقها ذي الرُقيِّ و التفوُّق من إنجازِ ردِّ مُفحِمٍ مُبهر. ولعلَّ القدرَ يقولُ لنا: لنّ اتأخرَ بعد اليوم في ردِّ الموازين الى نِصابها وإعادة الحقوقِ إلى أصحبها، و للإنتقام من أصحاب العصبيات القاتلة للحقّ والعدالة.
لعنةُ الفراعنة في هذا المونديال لاحقت و ستُلاحق الضالين الظالمين.
الأديبة ذُكاء الحُرّْ







