الكتابة عن بعد
…حتى الكتابة الوصفية، هي كتابة عن بعد. فالقلم المباشر، هو غيره الألم المباشر. يأخذ وقته حتى يسيل بالحبر. لأنك لا تستطيع أن تأمر القلم. بل هو يأخذك إلى الكتابة، إما بالتراضي، أو عنوة.
كل أنواع الكتابة، إنما هي كتابة عن بعد. حتى الكتابة التقريرية أيضا، والتي هي شقيقة الكتابة الوصفية، ترى القلم محرجا بها. يريد أن يغير وأن يبدل، وأنت مسرع في إعداد ورقة عن الوضع غير آبه للهاثك.
…حتى الكتابة السردية، لا تسرد الأحداث بدقة متساوية. ترى القلم مثل الفرس الحرون، يحجم أحيانا عن السير بك، إذا ما رأى مخالفة قانونية. يريد أن يقفز فوق الحدث، مراعيا بعض الوضع، أو بعض الإهانات. أو بعض إهانة.
وأما الكتابة البيضاء، فهي تتعمد الإخفاء تحت أثلام السطور، حتى لا تطلع الشمس عليها فتفاجئها. قلما ترى بياض اليوم في الكتابة البيضاء وقلما ترى سواد الليل في الكتابة البيضاء. فقد نامت الكتابة على المعاني، تماما كما النعامة. وربما أخفت أيضا رأسها.
ليست هناك كتابة واقعية على الإطلاق. فبين الكاتب وبين الواقع، ملاعب فرسان. وكذلك سيف وترس. وشباك منصوبة للصيد. والحفر التي موهت عمدا، حتى يسقط فيها النص الأعمى.
ليست هناك كتابة حرفية. فالحروف تند عن النص أحيانا، لأنها من الرواسي. وتأبى الجبال أن تعيش خلف ورقة هزيلة، تهزها الريح متى تشاء.عند تقلب العصور، وعند تعاقب الفصول.
ليست هناك كتابة رصينة. لأن الرصانة صفة التيس. وحاشا للكتابة أن تتلبس هذة الصفة، لأنها تخشى على نفسها، مع الكاتب النطاح. الكاتب التيس. حتى ولو كان الكثيرون يفتخرون في زماننا، بتيوس الكتابة. يفضلون أن تنعتهم بالذئبية، على أن تنعتهم بالتيسنة. يعشقون أن تقول عن أحدهم: ذئب كتابة.
الكتابة فضاء كامل. تعيش في فضاء السوق. لا تعرف حياة القصور ولا حياة الأسوار العالية. الكتابة فضاء و فضيحة. تفضح صاحبها، قبل أن يظن أنه يفضح الجفلى و العجلى في عجالة.
الكتابة حلم كاتبها. يأسه أو بأسه أو هوانه. أو تمرده، متى شعر أن الحياة أخرجته من لدنها. لأن الكتابة والحياة، وجهان لعملة واحدة. فهو إذن إبن بجدتها. تحمله على القول، وتدفعه إلى ذلك دفعا. وهو يقول ما في نفسه. وحاشاه أن يقول ما يقول تحت النير. لأن الكاتب الحق، إنما يتأبى على نير الكتابة.
الكاتب الحق، جزء من مشروع ومشروعية الكتابة. تلده عن بعد ويتوالد كل يوم معها. لأن الكتابة أسبق من الكاتب، وهذا سر عظمتها. هذا سر عبقرية الكتابة.
القارئ مثل الحالم، يفتش عن الكتابة، لا عن الكاتب: تكتب عن بعد له. فهي أتيه. وهو مطرها. وهي غده. وهو مستقبلها. هي التي تستنبته تماما كما الزهرة البرية، على حفافي الحياة وفي جلولها، للحرث والغرس. وهي تستمطر له حتى يظل صاحيا.
الكتابة عن بعد شأن الكاتب الحصيف، الذي يعرف المهنة وأسرارها. يغرف من قمح عيون السابقين عليه. يجعله في دلوه، ليخرج من نفسه، كما القز، حرير الكتابة.
زمن الكتابة، إنما هو قبل كاتبها لا بعده. فليس من كاتب حق، عاش قبل الكتابة: يعيش بعد الكتابة لا قبلها. وهو لهذا نراه يكتب عن بعد. يحيل نفسه إذن، بلا إرادة منه، إلى كتابة بعدية.
الكتابة البعدية إذا، سر كتابة الكاتب. وهو يعيش في أسرارها.
تلده على طبيعته، تماما مثلما قرأها وأعاد قراءتها. فلا كاتب قبل الكتابة. فهي قبله وهو بعدها. وهذا هو سر كونها: كون الكتابة وتكوينها!
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د.قصي الحسين






