جرائم إضرام النيران
هذة الجبال النائمة على غدها، لا تحب أن ترى نفسها، محاطة بألسنة اللهب. تتطلع إلى غيمة عابرة. تبل ريق غابة وتنعش ترابينها في الغصون الفارعة. تحلم بقميص من نسيج الندى يطفئ الحر في قلبها. جفاف الأيام الصائفة قست عليها. جعلت أوراقها تسقط قبل الأوان. لم يأت الخريف بعد. قدومه باكرا نذير إصفرارها. وتيبس العروق وتصخر الجذور وتطاير الأوراق عنها، حتى باتت تكره عريها.
لا تحب الغابة أن تتزنر بالنيران. تحب أن يلتف حول خصرها الواطئ، نهر عظيم الماء. أو جدول رقراق. أو ساقية، تتغنى الحصوات فيها. تشتاق لملمس أيدي العابرين، والتدفء بحرارة أنامل الفتية والفتيات، ورعيان الماشية.
غابات الجبال يروعها منظر النيران عن بعد. تستيقظ فيها ذكريات أليمة. هذة الهضبة إشتعلت فيها الغابة منذ فترة، وأسود وجهها. ولم تعد ترى أنيسا يمر بها. فزعت عنها الطير، وغادرها الرعيان. كانوا يجدون فيها المراح الناعم. كانوا يجدون تحت أشجارها المظلات الوارفة.
الوديان أيضا، تكره رمي النيران فوقها. تحب أن ترى نفسها دائما خضراء مزهرة. على جنباتها الزيزفون والدلب وشجيرات الدفلى. وأشجار السرو الباقات. وأشجار الشربين والبلوط. وعرائس الياسمين تعرش على شجر الكينا. والتينة الحمقاء، صيحة العابرين بها. تخبئ تيجان العسل عن الأيادي العمياء. وعن مناقير الطير المبرحة. بهيج مرحها مع الصبية. يأتونها مع إنبلاج الضوء. ويؤمونها تحت جنح الليل. يتسابقون لقطف جنى الصيف. طاب تين ورغيف ساخن من التنور على حافة الوادي. وصبايا إجتمعن على البر و الجمر وكرات اللجين، وأقمار أطباق، ترامت بطيشها.
الكروم، لا تحب النيران أيضا، تكره أن تسمع بها. جفلت ذات مرة، من إشتعال السياج قربها. إستصرخت أهل القرية، فهبوا إليها يحبطون الجريمة الزاحفة نحوها. كل يوم تشهق من دخان يقترب. ومن لسان يشتعل فجأة. الكروم تكره ألسنة اللهب. تحب ماء السماء، تغسلها. تغني مع السواقي أغنيات المطر. تريد أن تظل خضراء، مثمرة يانعة، على مدى النظر.
حقول القمح، تكره أن تسمع ذكر النار قربها. تنحني السنابل للريح، توصيها بقطار ناعم من مطر، يمر فوقها. يروي وريقاتها الخضراء وساقاتها. ويعفش الهوام. ويرمي السقام، ليخضل أنبوبها.
جلول التفاح، تشهق كل صباح، إذا ما رأت كرة من النار في مدخنة. تنذر أهل القرية كلهم. وتقول لهم: حذار أن يطير الشرر، فوق الغصون الضاحكة. تعبس للحال من شرر مستطير. تتشاءم حبات القلوب. ويغص الماء في قلبها. وتضمر، ثم تضمر، وتربى أن تعظم في عين الصغير صغارها.
بساتين الليمون تحلم بنسائم البحر، ترطب زهرها والثمار. تعشق كثيرا، فقش الموج وجعجعة النهر، وكركرة الجدول والساقية. سمعت مرة بتطاير النيران في الكوخ القريب، وتعالي ألسنة اللهب. فما نامت ليلتها. وظلت جفلى لأيام. صارت تكره كل من يقترب منها. تظنه خبيث الدار، حبيس النار. أخا كل شر. وكل شرارة محتملة.
بيادر الصيف، تكره أيضا النيران. تعشق فقط النيرات فوقها، والليالي المقمرة. ذكريات النيران أليمة، حدثتني ذات مرة. نسجت حولي أغمارها. أغرقتني بحضنها. وشوشتني، حتى لا يكاد يسمعها أحد: الشرر المستطير عدوي. كل شرارة منه تستيقظ في مواجعي. أذكر العداوات التي أشعلتني. وأذكر الطيش الذي أحرقني. وأذكر ذلك الأرعن الذي نام على صدر غمر، وأهمل شرارة أصابتني. فر عني وتركني أحترق، لبعدي عن الماء والتراب. وأذكر كيف إحترق قلبه معي.
القرى النائمة في الأعالي، تكره النيران أيضا. غفت على صدرها دهرا، ناعمة آمنة مطمئنة. حتى فاجأتها النيران. صبت جام غضبها عليها. طاش عويلها. وهرب الناس بعيدا عنها. كانوا ينظرون إليها من خلف التلال المجاورة. إحترق قلب القرية عليهم. لم تطق ساعة بعد. فكيف بحالها إذا ما طال البعاد.
إضرام النيران في المدينة، أشد وأقسى. منظر روما تحترق، لا يزال في البال. وزهراء الأندلس التي إحترقت، حين أفرعت عروسا من جمال، لا تزال حجارتها تبكي عليها. أكلت النيران مدينة عنجر، ولما يمض على بنائها خمسون عام. ودمعها المسفوح، كما دمها، لا يزال في الأجران حولها.
كم مدينة تحتاج هذة النيران المشتعلة. قابسها ينتقل بها من مدينة إلى مدينة، فلا جفن يرف، ولا قلب يتوجع.
جريمة إضرام النيران موصوفة.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصي الحسين





