كتب د. محمد قاسم فقيه :
(طيردبا ٢ / ١٠ / ٢٠٢٦)
في بلدة طيردبّا العامليّة، البلدة التي تختزن في ترابها حكايات الجنوب وذاكرته، وُلد الشّاعر سعيد إبراهيم حيدر عام ١٩٤٥، في بيتٍ عُرف بحبّ العلم ونشدان المعرفة.
حمل القصيدة كما يحمل الفلّاح شجيرةً صغيرةً بين يديه، مؤمنًا بأنّ في أغصانها غابةً من المعاني، وأنّ الشجيرة، مهما بدت ضئيلة، تستطيع أن تصير شجرةً وارفة إذا وجدت أرضًا صالحة ويدًا تعرف كيف ترعاها.
غرسها في تربة “كرم جديد”، وسقاها من صبره، ودفّأها بنار تجربته، وظلّ يتعهدها بالمثابرة، كما يتعهد الفلّاح زرعه في مواسم القحط قبل مواسم الحصاد.
ومع مرور الأيّام، أخذت تلك الشجيرة الصغيرة تشقّ طريقها نحو الضوء، فاستحالت شعرًا نابضًا بالحياة، جذورها في الأرض، وفروعها في السماء، وامتدت أغصانها إلى وجدان الناس، فوجد كلّ قارئ فيها شيئًا من نفسه، وكلّ قلب ظلًّا من ذاكرته، وكلّ روح نافذةً تطلّ منها على معنى أعمق للحياة.
الشاعر سعيد ابراهيم حيدر
نشأ الشّاعر في أسرةٍ حرصت على أن تجعل من العلم قيمةً ومن الثقافة طريقًا، فشبّ محبًّا للمعرفة، قريبًا من الكتاب، متصلًا ببيئته وقضايا مجتمعه. وقد أثمرت هذه البيئة أسرةً أدبيّة وفكريّة وإعلاميّة لافتة، فحمل كلّ واحدٍ منهم مشعلًا من مشاعل المعرفة، بما يؤكّد أنّ الكلمة في هذه الأسرة كانت أشبه بميراثٍ روحيّ تتناقله الأجيال.
منذ البدايات، ارتبط الحاج سعيد حيدر بالشّعر العامي وفنّ الزجل، فكان الشّعر بالنسبة إليه أكثر من وزنٍ وقافية، كان لسان البيئة المؤمنة، وذاكرة الناس الموجوعة، ومرآة الحياة اليوميّة.
في الزجل وجد فضاءً رحبًا ليصوغ مشاعر الإنسان البسيط، وأنينه وفرحه، واستطاع أن يجعل من اللهجة المحكيّة جسراً يصل بين الشاعر والمتلقّي من دون حواجز أو تكلّف.
شارك في عددٍ من أمسيات الشّعر الزجلي والمناسبات الدينية والاجتماعية والثقافية، فكان حضوره امتدادًا لحضور الشّعر الشعبي في الحياة العامة.
كان الشّعر عنده وسيلةً لتثبيت الذاكرة الجماعية، واستحضار القيم، والتعبير عن الانتماء إلى آل بيت الرسول(ص) والأرض والناس والتاريخ.
ظلّت القصيدة عند شاعرنا قريبةً من الأرض، تستمدّ من تراب طيردبّا رائحتها، ومن أهلها دفئها، ومن قضاياها نبضها. لذلك، تبدو تجربته الشّعرية كأنّها سيرة وطنٍ صغيرٍ يكتب نفسه بالكلمات، وطنٍ يبدأ من القرية، لكنّه لا ينتهي عند حدودها، بل يتسع ليحتضن الأرض والمقاومة والإنسان.
تُوّج الشاعر جانبًا من هذه التجربة بإصدارات شعريّة، حملت عناوين ذات دلالات واضحة وعميقة، كان آخرها ديوان”قطاف العمر”، وكان سبقه في العام 2009 كتاب “مقامات عاملية” عن دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، في طبعته الأولى، وهو عنوان يستحضر البيئة العاملية لا بحسبانها مكانًا جغرافيًا فحسب، بل بوصفها فضاءً ثقافيًا وروحيًا وتاريخيًا له خصوصيته وذاكرته.
ثم جاء ديوانه “وطن بالأخضر المصفّى” الصادر عام 2012 عن مؤسسة الرؤى للطباعة والنشر والتوزيع، ليؤكّد ذلك الارتباط الوثيق بين الشّاعر والوطن. وفي هذا العنوان، يتجاور اللون مع الدلالات، فالأخضر يستدعي الحياة والأرض والخصب، كأنّ الوطن في وجدان الشّاعر لون واحد، موحِّد. لون الوحدة الوطنية، ولون الحياة في زهوها، بل لوحة ربيعيّة اخذت خضرتها من أرزه وسنديانه وزيتونه وصعتره وسنابل قمحه.
أما ديوانه “وطن فوق الزمن” ، شعر زجلي في الدين والأرض والمقاومة، الصادر عن مؤسسة الرؤى أيضًا عام 2017، فيكشف بوضوح عن المحاور الكبرى التي تحكم تجربته الشّعرية. فالوطن عنده لا يخضع لساعةٍ عابرة ولا لمرحلةٍ مؤقّتة، إنّه قيمة تتجاوز الزمن، وتبقى في الذاكرة ما بقي الإنسان قادرًا على الحلم.
في شعر سعيد حيدر ، تتعانق الأرض والدين والمقاومة بحسبانها دوائر متداخلة في الوجدان الجنوبي والعاملي. الأرض هي الجذر، والدين هو البوصلة الروحيّة، والمقاومة هي إحدى صور التمسك بالأرض والدفاع عن الكرامة.
يبدو الشاعر حيدر في تجربته كمن يقف على تخوم الزمن، يحمل في يده دفترًا، وفي قلبه قريةً كاملة. يسمع ما قد لا يسمعه الآخرون في صوت الريح القادم من “جل الكنيسة”، ويرى في شجرات “خلّة صور” و”المرج” أو حجرٍ “المعصرة” أو طريقٍ ” درب العين” صفحاتٍ من تاريخ المكان.، فلا يكتب الأشياء كما تبدو للعين، بل كما تستقر في الذاكرة والوجدان.
من هنا تأتي قيمة تجربته، فهو شاعرٌ استمدّ مادته الشّعرية من الحياة نفسها، ولم يجعل القصيدة قصرًا من الكلمات معزولًا عن الناس. إنّه يترك للزجل أن يحتفظ بعفويته، وللهجة أن تحتفظ بحرارتها، وللمعنى أن يخرج من قلب التجربة لا من زخرف العبارة.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن يُقال في الحاج سعيد إبراهيم حيدر، أنّه من أولئك الذين جعلوا الكلمة صوتًا لفكرة آمن بها، ودافع عنها، وبذل سنوات عمره من أجلها، فجاءت كلماته صدى لكلمات الامام موسى الصدر، وجعل القصيدة بيتًا آمنًا لإخوانه، وذاكرةً حيّةً لمسيرة امتدت لعقود من الزمن، فإذا نسي الناس تفاصيل الأيام، بقيت القصيدة شاهدةً عليها، وإذا غيّر الزمن ملامح الأمكنة، ظلّ الشعر يحرس أسماءها وصورها.
ويُذكر الشاعر سعيد حيدر بحسبانه واحدًا من الشّخصيّات الثقافية والاجتماعية والسياسيّة التي أسهمت في إغناء الحياة العامّة في بلدة طيردبا، إذ كان من مؤسسي نادي المستقبل الثقافي الاجتماعي، الذي شكّل منبرًا حرّا للفكر والشّعر، ومساحةً واسعةً للحوار الثقافي والنشاط الاجتماعي، وتعزيز روح التعاون بين أبناء البلدة.
وإلى جانب حضوره الأدبي والشّعري، اضطلع سعيد حيدر بدورٍ في العمل العام من خلال مسؤوليته في حركة أمل، حيث أسهم مع إخوة له في تثبيت دعائمها في البلدة، وشارك بما امتلكه من علاقات واهتمام بالشأن الإنمائي، في السّعي إلى تأمين عدد من المشاريع والخدمات التي استفادت منها بلدة طيردبا وأهلها. وقد جمع في مسيرته بين الكلمة والعمل، فلم يكن الشّعر بالنسبة إليه منفصلًا عن قضايا الناس وهموم مجتمعِه، بل ظلّ جزءًا من انتمائه إلى البلدة وحرصه على نهضتها الثقافية والاجتماعية والإنمائية.
وهكذا بقي اسمه مرتبطًا بمرحلة من مراحل الحركة الثقافية والاجتماعية في طيردبا، وبجهود أبناء البلدة الذين أسهموا في بناء مؤسساتها، وتأمين المشاريع الملحّة لها، وتعزيز حضورها.
إنّ مسيرة هذا الشاعر ليست مسيرة شاعرٍ كتب دواوين فحسب، بل مسيرة إنسانٍ حاول أن يحفظ شيئًا من روح بيئته للأجيال. وبين طيردبا التي احتضنت طفولته، وعاملة التي رفدت وجدانه، والوطن الذي اتسع في قصيدته، تشكلت تجربةٌ تقول: إنّ الشّعر يعيش في الناس، وفي ذاكرتهم، وفي الأماكن التي أحبّوها، وفي القيم التي آمنوا بها.
وهكذا يبقى الحاج سعيد إبراهيم حيدر واحدًا من الأصوات التي اختارت أن تجعل من الزجل سجلًا شعبيًا للروح، يكتب بالألفاظ البسيطة معاني عميقة، ويحوّل الموروث إلى حياة، والقرية إلى قصيدة، والذاكرة إلى وطن. وربّما لهذا تبدو تجربته أشبه بشجرةٍ عامليةٍ عتيقة: جذورها ضاربةٌ في الأرض، وفروعها تمتد نحو الأجيال، وكلّ غصنٍ فيها يحمل حكايةً من حكايات الإنسان والوطن.
في ختام هذه الشهادة، لا بدّ من الدعاء للشاعر الحاج أبي عصام بطول العمر، وأن يزيّنه الله بالصحّة والعافية.
كما لا بدّ أن أزيّن هذه الكلمة بقصيدة للشاعر اخترتها من قصائده، وهي قصيدة انشدها في افتتاح نادي المستقبل الثقافي عام ١٩٩٣ الذي جرى برعاية معالي وزير الثقافة ميشال إده:
المستتقبل بنينالو عمادو
ولخدمة هالشعب اطلق جوادو
برعاية في ثقافتها غنيه
والاجيال من نهجا استفادو
يا راعي هالثقافه التربوية
جيل العصر إسمك عم ينادو
تا تحضن هالنوادي بصدق نيّه
ولبنان الأبي يبلغ مرادو
نحنا بحاجة النخبه الذكيه
لأعطو للوطن وبالفكر جادوا
الثقافه سلاح بدل البندقيّه
الجهل قدّامها تحطّم عنادو
الثقافة ارض تربتها غنيه
المستقبل غرس فيها جهادو
من عنّا الحروف الأبجديّه
انصاغو حروفها بموسم حصادو
ولبنان الفصولو موسميّه
عا حبّ الخير بربّي ولادو
التعايش فيه صوره واقعيّه
الارز والسندياني ما تعادو
تربّو بتربة الارض الغنيّه
ولكل الشعب في لبنان نادوا
لبناني اكتبوا ضمن الهويّه
وتعمم على جبالو ووهادو
انزعوا عنها صفات المذهبيّه
تا لبنان الأبي ينزع حدادو
المسيح قال كلمة جوهريّه
الخلق كلهم عيال الله طبعا
أحبّ عليه من يخدم عبادو
د. فقيه مع الشاعر سعيد حيدر







