رحيل محمود بارود
رسالة عزاء
ما أن إلتقيته لأول مرة على العشاء في برلنغتون، حتى أودع طيبا في يدي. قال لي: حملته من المغرب. جعلته في جيبي. وما عرفت إنه لك، حتى إلتقينا على عرس.
كانت المناسبة للتعارف العائلي بيننا. كان طيب أم حسان وأبو حسان، كما طيب الصهر الجديد الأستاذ سامر، يغمر ذياك اللقاء العائلي، على اليمن والبركة.
مضت السويعات، ونحن نتحدث عن طرابلس- الفيحاء: المدينة الفواحة، بزهر الليمون. أذكر أننا عشنا لساعتين، غمرة اللقاء. كانت لنا جولة عاطفية. كان لنا حديث طويل عن الشوارع والحارات والأحياء القديمة. ما تركنا ناحية إلا وإستعذبنا الحديث فيها. كلانا يتحدث بحب وشغف عن المدينة، أما حنونا لنا: أبو حسان وأنا.
سردنا على مسمعينا تفاصيل المدينة كلها. تذكرنا رجالها. تذكرنا عاداتها وعادات أبنائها. كانت العفوية قد قربت بيننا. فما تركنا ولا أبقينا من شؤون ومن شجون…
رجل شهم بقامة الأستاذ محمود بارود، خبير العلاقات العامة في السراي الحكومي لأكثر من أربعين عاما، جعلني منجذبا إليه. يصغي قلبي إلى كل كلمة تنبجس بين يديه، ينبوعا من الذكريات الحلوة والجميلة.
عذوبة ورقة في الذهاب إلى الينابيع. وشوق ما بعده شوق، لسماع التفاصيل. كان أبو حسان، وإلى جانبه أم حسان والصهر الأستاذ سامر، يبوح لنا، بما لم يقله في يوم من الأيام، يوم الإحتفاء بعرس ولدينا: سامر وصبا، في منتجع، على شاطئ “شان بلان-Champlin”، في برلنغتون. كان صدره الواسع، حبيس الذكريات البلدية الشجية. هي التي أحرجته ذات يوم وأخرجته إلى غربته. وظل دهره وفيا.
أبو حسان، كان ولا يزال في ذاكرتي وفي عيني، فوح مدينة الفيحاء. وفوح الجبال والسهول المحيطة. كانت الأحاديث العائلية تنسال على لسانه، وكأنها قد جرت البارحة.
عشنا أبو حسان وأنا لقاءات جديدة في مونتريال، بعد ما يناهز العام. وجدت في خاطره لونا من الوفاء على الطعام والشراب. وجدت التقاليد العائلية الأصيلة. كانت أم حسان إلى جانبه، تخفف عنه ما تعبت به كتفاه طيلة الأعوام الماضية.
ما أجمل الذكريات على الموائد الجامعة: ورق العنب على الطريقة الطرابلسية. طبق مزين بلحم الضأن. والخضار المناسبة. وحلقة أهلية جامعة حولها. وأحاديث تفتح الشهية.
أسبوعا بعد أسبوع نلتقي عائليا. أبو حسان بجانبي: صفاء سماء عالية. وأحاديث تذوب في القلوب. وذكريات تتفتح أكمامها مثل أطباق الورود. ما أجمل الأستاذ محمود بارود، حين يكون سماء. حين يكون صافيا.
الراحل محمود بارود ( الأول من اليسار ) الى جانب د. قصي في لقاء عائلي
إن أنسى لا أنسى لقاءنا العائلي على الباربكيو، فوق سطوح مونتريال. تحلقنا يومها نتناول الشواء: من أطباق السمك والضاني والدجاج والخضار البلدية. ما اطيب العيش بجانب الأوفياء، خصوصا حين يكون أبو حسان على السجية. خصوصا حين كنت التقيه في الماركت أو في الطريق، بلا موعد. نقف السويعة معا، ولا ندري بها!…
ما جاء أبو حسان لوداعنا، حين عزمنا الرجوع إلى بيروت: فقط أزف الرحيل. أحس بوجع الفراق. أحس بخسارتنا.
حقا كانت خسارتنا به، خسارة بلد تسجى. وأما اليوم، أذكر تلك القامة الطلعة، وإلى جانبه أم حسان، يشد على يدنا. يودعنا، أم نفارقه. أم يفارقنا؟
فراق الأستاذ محمود بارود بلدا…وطنا…رجلا ونسيبا، إنما هو الفراق العائلي.ترك رحيله فينا لحمة قوية بين عائلتينا. شجى ولوعة ودموعا عائلية ساخنة. وغصصا في القلب. هو وجع النواحي: في طرابلس ومونتريال، لرحيل قامة لا تنسى…
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
الكاتب د. قصيّ الحسين ( تصوير د . صالح الرفاعي )







