معرض الخريف
جليل عالم الحدائق في موسم الخريف. جليلة أشجار الحديقة، وقد إرتدت لبوس الخريف. جليل كل شيء في الحدائق، حين يزورها الخريف متأنيا. يأخذ بتمشيط أشجارها الملونة. يفرش بها سجادة الصلاة. وهذا العجوز بسبحته، يقبل إلى الشمس مع شروقها، يرافقها بالدعاء طيلة يومها، فوق سماء الأشجار العالية. تتابع تلوين لوحتها لمعرض الخريف.

والحساسين، على البركة، تأخذ بمناقيرها عسيلات البركة. والسنانيرالصغيرة هرعت للقادمين من بعيد. فرحت أذيالها. تغامزت عليهم. والكيس منتفخ طائش يريد أن “يفلت” من الأيدي الرقيقة. أنى يرتاح الكيس قليلا، ليفرغ همه على العشب، حتى لا تكون نأمة. وبيئة الورود والزهور كسيرة الخاطر على بعضها. صارت في خريف عمرها. تعرف من عيون المشفقين عليها. مدت الطفلة البريئة يدها، ولامستها. هرت منها شعيرات العجوز. سالت دمعتها على خدها. تراجعت عنها. شهقت لها من بعيد.
دروب حلزونية. يبس العشب على جانبيها. والتلعة تعرت لأقدام الزائرين. تفر الحصوات من وقع القلوب عليها. تطير مزهوة مثل العصافير. تخفت تحت وريقات الخريف. تشابهت ألوانها. ذهبتها الشمس طيلة شهور الصيف، حتى تليق بمعرضها في الخريف.

جفت عيون النوافير. جف قلب الجدول. جفت عروق السواقي. وأنسام الخريف والروض المجاور، وجوقة الأوزة الجليلة، وراءها سربها. تتهادى. تعابث الأطفال بها. تابعت سيرها. تراجعت الطفولة إلى جعبة الأهل، حملت إليها الزاد. هرعت من جديد إليهم. كانت تنقر الأكف الكريمة. تحكك بالمناقير الطرية العشبة الصفراء. بليت من كثرة الدوس عليها.

عالم الحدائق، كون على حدة.
يشابه نفسه. لا يحب المشاركة.
كل حديقة زينة الخريف.
عالم الحدائق زين المدينة كلها، بأوراق الذهب. الحديقة كلها، تصفر على مهل، وتحمر. وتخضل منها تيجانها. تذهب إلى معرض الخريف جليلة. تقدم كنوزها للأرض. الأوراق تراصفت، مثل نثائر الذهب. مثل السبائك. تجمعت فوق جذوعها، كنوزا كنوزا. والصنوبرات رمت أكوازها. تدق صدرها حزينة. عصفت بها الأرياح. أرعفت الغصون. بكت منها. ملأت أكوابها. والشحارير طارت إليها. وقفت على أعراسها، حتى تليق بموسمها. حتى تليق بحزنها. حتى تليق بأغراسها.
مقاعد مرتجفة. أرجفها العجوز. وضع عصاه إليها. رأته يتمايل، فتمايلت. رأته يهتز عليها. تماسكت. تجالدت. تجاوزت مقادير أحزانها، على صيف تولى.

خريف الحدائق عالم تشابه على رواده. على زواره. وآخر المدينة، كما أولها، إلى دربه. متاجر التحف الثمينة. ونحيب شجيرة باكية. وساقية جف منها نشيجها. طربت للناس. زغردت لهم طوال صيفها. طواها الخريف على بعضها. كبها للذقن. ملأ الحزن كاسها.
عالم الحدائق والخريف ينهب الخطى، معرض كوني، لمناجم الذهب. والأسرة. والعائلة. والسيدة في المقدمة. والمرأة الجليلة على عودها، والصبية، خرجوا معا قافلة واحدة، والرجل أمامهم، ينحني على جذوع عرتها الريح. عراها مطر الخريف. نبحها القمر في الليلة الصافية. وتراب الجفاف يطير. والعروق الضئيلة تصيح تحته. رجل يروي الحكاية. حدائق الأطفال. دروس الأطلال: والأهل حديقة وارفة.
معرض الخريف صيحة الموسم. وعالم الحدائق يشهد. سجاجيد على الترب. على التبر. نسيج يد. نسيج سيدة. نسيج ريح، تسهر الليلة تغزل.
والرسامون هرعوا إلى محترف الخريف. صنعوا بأعينهم الندوة: سمبوزيوم الوادي والجبل الشاهق، والنبع المقهقه، والهضبة. ودروب الزاهدين. وعكاكيز الطيور المهاجرة. هناك في طرف الطبيعة عجوزان على مقعد. يسرد الماضي حكايات حكايات. يصغيان له. يتقابلان. يتواعدان على بسمة هاربة.

لجأ الصيف إليه. رحب الخريف. أوسع له دارته: أودعه كل كنوزه وذهب. معرض الخريف، عالم الحدائق.
يرحل الشعراء إليه. يتجلدون. يتجالدون. يذهبون أقلامهم. يذهبون قصائدهم. يعودون عنه و القصائد مذهبة.
من يحوك للخريف عباءته: هرع شعراء المذهبات. و الرسامون نادوا على لوحاتهم، فتراقصت. وعيون الأطفال تقع على الوريقات الذهب. تحملها للدفاتر المشوقة والأنامل الواعدة. تقرأ عليها أسرارها: هكذا الجمال في الكبر!
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين






