ألفة الكتاب
مثل المكان هو الكتاب. نختاره ونهب إليه مع الصباح. نريد أن نرتاح. ننظر فيه، كمن ينظر في دنيا بعيدة الأغوار. نتطلع إلى الآفاق، بين أوراقه وبين سطوره وبين دفتيه، تماما مثل جواب آفاق. ينشد ما وراءها. يريد أن يعرف الأسرار والسحر والأمثال. فبين الكتاب والمكان شبه بعيد، كلاهما مؤدب الإنسان.
أديب الكتاب، مثل أديب المكان. مثل إنيسه. مثل جليسه. يأخذ عنه المعاني الضخام. فالكتاب ضخم بمعناه على فتاه. مثلما المكان ضخم على فتى المكان. يجول بأنظاره هنا. كما يجول بأنظاره هناك. والدرس واحد: كيف نقرأ الكتاب. كيف نقرأ المكان.
فعل القراءة، صنعة قديمة لدى الإنسان. الطبيعة كانت مدرسته الأولى. وكان كل شيء فيها، هو كتاب له، حتى إستوت لديه، في كتاب.
نألف الكتاب كثيرا، لأننا لم نعد نذهب إلى الأمكنة، لنأخذ عنها. صارت المكتبة النادي الذي نعتاده، لرياضة يومية. أبطلنا عادة المشي إليها والسفر فيها، وتلمس أشيائها، وأخذها بعيوننا جملة وتفصيلا، ومكثنا إلى الآلة، نعوض ما فات هيكلنا، من الرياضة البدنية.
الكتاب آلة المعاني كلها. يعوض لنا ما فات عقولنا، من معاني الطبيعة. ومن معاني الحياة فيها وحولها. الكتاب تعويض عن المعنى الذي فاتنا، أو المعنى الذي نجهله، أو المعنى الذي ليس لنا به أدنى دراية. ونحن نقلب النظر في شؤون وشجون الحياة كلها. وفي شؤون وشجون الطبيعة كلها.
الكتاب بإختصار شديد: الطبيعة مجردة. والخليقة مجردة. والخلائق مجردة. ولهذا نألف الكتاب ونعتاده، كما النادي الذي نرتاده في المدينة.
الكتاب اليوم هو البادية، نذهب إليه، كما كان الأعراب، يذهبون إليه، لتعلم الفصاحة والبلاغة والشعر والنثر. كانت الرحلة إلى البادية في طلب العلم. حتى إختلفنا إلى الحوانيت وإلى الحلقات وإلى الأسواق، وصنعنا لنا، دور علم بديلة. بين كتاب البادية، وبين كتاب البداية، صلة رحم قوية. وإنسان يلد، وعلى جبينه طابعه: طابع المعرفة.
هكذا تقدم الزمن بنا. وتقادم علينا. من جليس الأمكنة، إلى جليس القراطيس، إلى جليس الشاشة. وظلت عادة العلم، ضاربة في أعماقنا، كأنها خلية من خلايا النفس. تحفزنا كل يوم على طلب العلم حيث هو. في جميع الأمكنة.
إرتياد المكتبة شأن عقلي ثقافي، لأن مألوفه هو من طبيعة حياتنا الجديدة. شبيه النادي الرياضي، كشأن حياتي لأبداننا. وألفة الكتاب، آلة علم و ثقافة؛ لا بديل عنها، إذا ما كنا نطلب الترقي، في درجات العلم والثقافة والمعرفة.
ليست هذة عظة. ولا موعظة. وإنما هي مكاشفة. ننسى العظات في الطرقات. ويظل الكتاب طريقنا إلى كل علم وثقافة و معرفة.
ألفة الكتاب، كألفة الأصدقاء. أو كألفة المعلمين. أو كألفة المربين. أو كألفة الأمكنة. هو كل ذلك وأكثر.
كتاب جمع فأوعى، هو خيار طريق نريد أن نسلكها، ما دمنا نريد السير على دروب العلم والثقافة والمعرفة. لأن الكتاب طبيعة مجردة واسعة. نعيش في ظلالها، كأننا تحت شجرة وارفة. فيؤها طاقة لنا، تشحننا بما يلزمنا من فنون الطاقة. ولهذا صار الكتاب مظلتنا أينما كنا من دنيا العالم. فأنى توجهنا، وأينما حللنا، نظل حلس الكتاب، لأنه سقف الحياة كلها.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية
د. قصي الحسين






