كتب فاروق غانم خداج ( كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني) :
في تاريخ الأدب العربي رجالٌ كتبوا بالكلمات، ورجالٌ كتبوا بالكلمات وبالحياة معًا، حتى صار أثرهم تجربةً إنسانية تتجاوز النصوص إلى المصير. وكان أمين الريحاني واحدًا من أولئك الذين لم يجعلوا الكتابة مهنة منفصلة عن الحياة، بل امتدادًا لها، وامتدادًا لأسئلتها الأكثر قسوة وصدقًا.لم يكن الريحاني مفكرًا وُلد في مكتبة، بل إنسانًا صاغته التجربة قبل أن تصوغه الكتب. في نيويورك، لم يبدأ من موقع النخبة، بل من العمل اليدوي القاسي؛ حطّابًا وعاملًا في المصانع والمناجم. هذه التجربة لم تكن تفصيلًا سيريًا، بل شكّلت نظرته إلى الإنسان: الإنسان الذي يُرى من الأسفل لا من الأعلى، من العرق لا من الخطاب.
الأديب أمين الريحاني
وحين نقرأه اليوم، لا يبدو جزءًا من أرشيف النهضة، بل يبدو كأنه يكتب لحاضرنا. الأسئلة التي طرحها ما زالت مفتوحة: كيف يكون الإنسان حديثًا دون أن يفقد روحه؟ وكيف ينهض الشرق دون أن يتحول إلى نسخة من الغرب؟ أسئلة تعود اليوم في عالم تتسارع فيه التقنية، بينما يتباطأ فيه المعنى.وُلد في بلدة الفريكة في جبل لبنان، في زمن كان فيه الشرق العربي يعيش تحت ضغط التحولات العثمانية وبدايات الاحتكاك بالغرب الحديث. ثم جاءت الهجرة إلى نيويورك لتفتح أمامه اختبارًا وجوديًا جديدًا، لا كقطيعة مع الجذور، بل كامتداد لها في فضاء مختلف وأكثر قسوة.تأثر بأسماء كبرى مثل والت ويتمان وليو تولستوي، لكنه لم يتحول إلى ظلّ لأيٍّ منهم. كتب العربية بإيقاع خاص، فيه امتداد وتأمل، كأن الجملة تفكير يتحرك لا عبارة مغلقة. لذلك بدت نصوصه أقرب إلى النَّفَس الفلسفي منها إلى البناء الأدبي التقليدي.ظل يحمل شرقًا داخليًا يرى فيه طاقة روحية لا جغرافيا فقط، ويرى في أزمته خللًا تاريخيًا لا نقصًا في الجوهر.

يبدو الريحاني أقرب إلى الحاضر من الماضي. فالمسافة بين الشرق والغرب لم تعد جغرافية، بل أصبحت توترًا داخليًا داخل الإنسان نفسه.في هذا السياق، لا يعود مجرد كاتب مهجري، بل شاهدًا مبكرًا على أزمة الإنسان الحديث: الإنسان الذي يملك أدوات المعرفة، لكنه يبحث عن معناها. وهنا تتقدم أسئلته على زمنه، لا لأنه أجاب، بل لأنه تركها مفتوحة.وفي النهاية، لا يقدّم وعدًا، بل يترك أثرًا: أن الإنسان لا يُقاس بموقعه بين الشرق والغرب، بل بقدرته على ألا يتحول إلى سجين أحدهما، أو أسير صورته الجاهزة عن العالم.
الكاتب فاروق خدّاج



