متحف الشعر
لا أعرف أن الشعراء، إذا قضوا، ذهبوا مثلنا إلى الأضرحة. يذهبون إلى المتاحف. كل شاعر منهم، أمضى دهره وهو يشيد متحفه بيديه، قصيدة قصيدة. ومعلقة معلقة. ويكثر من إخوانياته. ويشهد على الساحات. وعلى كل وقعة. وعلى كل يوم. وعلى كل غزوة. حياته متنوعة، مثل الروض. يسابق الريح وهو في الحوض. يرمي من فوق. حتى نشهد له أنه ما رمى إذ رمى، ولكن الشعر رمى.
الشاعر رمية شعر. فإذا ما أصاب، أصابته أولا. رسمت طريقه، لا إلى الضريح كالعادة المكررة، وإنما إلى المتحف. كل رمية منه قصيد أو قصيدة أو معلقة. يراكم شعره، مثلما يراكم البحر موجه. ثم يفقشه على صخور الشاطئ، مثل قصيدة منتقشة. أو مثل زنبقة.
كل المتاحف من رمل، إلا متحف الشعر. فهو من صخر. علامة الثبات والعلوق في النفس، مهما طواه الدهر. ومتحفه للزمان لا للمكان، لأن الشعر رحال من نفس إلى نفس. فراحلة الشعر، تحمل على ظهرها متحف الشاعر، وتمشي به في الأسواق. وهي تنيخ على أبواب الزمان: زمن إمرئ القيس. وزمن عنترة. وزمن المتنبي. وزمن الأخطلين و جرير والفرذدق، وحافظ إبراهيم و جبران وشوقي، و”سلالة جبل عامل”. وحط بينهم أخيرا جمل مصطفى سبيتي وآلته. أناخه تحت تلة علي الطاهر. أودعه الضباب الأبيض. كعادة الشعراء يمحون السواد في عيونهم، بنصاعة أوراقهم. بنصاعة أيامهم. بنصاعة الشعر الذي لوحوا به، ونصبوا له القباب، من أدم أحمر.
مصطفى سبيتي، لا أعرفه مثلنا. دائما هو فوقنا يتنزل. هامة من الشعر . من السحر. ولبوس الكاهن شق. ولسان مرتد. ويد بيرق. يقرع الشعر بالشعر. حتى تلين سيوفه. يخوض به في جميع الدروب. وحين يخور القوم، تراه من بعيد مثل الجواد، يرمي أثقاله، فإذا الزمان زمانه. وإذا المكان مكانه. وإذا هو هو: راكبا وراجلا، متجلبب.
جلبابه الشعر الذي صنعه بعينيه، وأجراه فوقنا، حتى يندى علينا، مثل سقف. مثل بيداء. مثل صحراء. مثل آفاق، بلا باب و لا حتى سقف.
شاعر بسعة زمانه، وما إتسع له، هو الشاعر مصطفى سبيتي، أخ البرهة الراحلة، على ظهر راحلة في “عكاظ الشعر”. سيظل يروح ويجيء على ناقته بيننا. وعلى ظهره متحفه. متحف الشعر. فإذا ما ترجل: رأينا متحفا ينهض. هو دائما، بين برهتيه، سر شعر، يجري ولا يتوقف.
مصطفى سبيتي، شاعرا، ينضم أخيرا، إلى متحف الشعراء، حيث متحف الخالدين. وحيث سجلهم: دمعة الشعر مسفوحة على خده، صيحة عصر، على الدم المسفوح.
جبل عامل، مربض أفراس شعرائه، يلوح لهم مصطفى سبيتي. ينزل بينهم: وسعوا له. بين يديه وفضة من نبال. وبيرق. تعب قليلا، كما يتعب الجبل. قرر أخير أن يعتم بالغيم، فيسبقه شعره إلى متحفه.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
الشاعر الراحل مصطفى سبيتي






