كتب د. هشام زين الدين ( عميد كلية الفنون في الجامعة اللبنانية ) :
بعض مسرحنا العربي بحاجة ماسة إلى “بيريسترويكا”، للخروج من مستنقع المراوحة غير المجدية التي لا تقدم جديداً فيما نشهد على التحولات المتسارعة يومياً في مختلف مجالات الحياة ومنها الفنون والمسرح طبعاً.
أمامنا في مهرجان القاهرة التجريبي نموذجان من التجريب، الغربي المتمثل في عروض انكلترا والمانيا واسبانيا، والشرقي المتمثل في العرض البيلاروسي.
تاريخياً كانت هناك صلة بين التجريب والحداثة بدون شك، وبين التجريب وما بعد الحداثة حكماً، لكن هذه الصلة ليست هي نفسها في كل المجتمعات والحداثة وما بعد الحداثة ليست هي نفسها أيضاً في كل اقطار الارض، في الغرب هي نتاج النظام الرأسمالي المتوحش الذي أوصل مجتمعاته في اوروبا واميركا الى مازق وجودي تم التعبير عنه فلسفياً وفنياً وجمالياً بظاهرة او حقبة او فكر ما بعد الحداثة، المازق الوجودي نفسه وصلت اليه مجتمعات اوروبا الشرقية وروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لكن الفارق بين الإثنين أن اوروبا الشرقية انتقلت الى ما بعد الحداثة بعد عملية جراحية اسمها “بيريسترويكا”( أعادة البناء بالروسية) يعني القطع مع الفكر السياسي والاجتماعي الماضي (الشيوعي) والانطلاق من جديد نحو شكل واسلوب حياة ونظام سياسي يستفيد من منجزات الماضي الثقافية والفنية ويؤسس عليها ويخرج في نفس الوقت من قوقعة الفكر الجامد غير القابل للتطور.

لنبقى في المسرح وهو يعكس في مرآته الشفافة كل اشكاليات الثقافة والاجتماع والسياسة بالطبع ويعبر عنها، يبدو جلياً أننا كمسرحيين عرب، علينا تحديد وجهة سيرنا، وأن نقوم بذلك استناداً الى واقعنا السياسي والاجتماعي والثقافي، وأن نختلف عن جغرافيات أخرى عالمية، لها مرجعياتها الخاصة والمختلفة فيما بينها ايضاً، وبالتالي أن نحدد: في أي حداثة نعيش اليوم، وأي “ما بعد حداثة” نريد.
بالطبع نحن بحاجة للانخراط في ظاهرة ما بعد الحداثة لكننا نريدها عربية نابعة من حياتنا ومعتقداتنا وممارساتنا وافكارنا وابداعاتنا، نريدها مختلفة عن مثيلاتها الغربية والشرقية، لاننا نريدها ان تمثلنا نحن، لا أن تمثل تبعيتنا الثقافية وانبهارنا المريض بمنجزات الغير التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل.
استبق ما يجول في خاطر أي قارئ لهذا المقال بالقول: أعلم اننا في ورطة فكرية وثقافية وفنية، وأعلم اننا تابعون ومقلدون في غالبية اعمالنا الفنية دون أن نجلد انفسنا ونقلل من قيمة بعض المبدعين والابداع الذي تنتجه تجاربنا المحلية العربية، لكن الصورة العامة لمجمل الحراك المسرحي العربي تؤكد اننا في مازق يجب العمل على الخروج منه.
وبالعودة الى النموذجين البيلاروسي من جهة والنماذج الغربية من جهة أخرى، لقد اختار العقل الشرقي حداثته سابقاً وما بعد حداثته حالياً بنفسه، تأثر بكل ما يجري حول العالم، وأخذ منه ما يريد، وتفاعل معه بانفتاح، لكنه لم يقلده ولم ينسحق امامه، ابتكر ما بعد حداثيته مستثمرا تاريخه العريق في الادب والفكر والرواية والشعر والمسرح والفنون، تماماً كما فعل الغرب الذي لم تكن سيرورة تطوره مشابهة لما حصل في الشرق ولم يخضع الى عملية “البيريسترويكا” بل تطور بشكل روتيني، ما افقده فائدة صدمة التغيير والتخلص من شوائب الماضيى غير المجدية.
لقد أدهش العرض البلاروسي جمهور مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، لأنه وجد فيه مسرحاً يبحث عنه، أقرب اليه من مسارح ما بعد الحداثة الغربية التي نحاول جاهدين أن ننخرط فيها ونعجز، رغم كل الادعاءات والتبريرات حول كونية وانسانية العولمة التي انتجت ما بعد الدراما والتي في أساسها تمثل الجانب الفكري والفلسفي والفني للعولمة.
الاعتراض الشرقي (اوروبا الشرقية) والأسيوي الذي ابتكر هو الآخر “ما بعد حداثيته” يجب أن يحثًنا على التفكير والعمل على ابتكار “ما بعد حداثيتنا” تماما كما فعل الآخرون، عندها فقط سنثير اعجاب وتصفيق جمهورنا المسرحي أولاً وجماهير مسرح العالم الذي يريد أن يتعرف علينا من خلال مسرحنا، لا أن يرى مسرحه هو بنسخة مقلدة.
العميد د. هشام زين الدين







