ميزان الزمان
  • الصفحة الرئيسية
  • امسيات
  • قصائد
  • شهرياد الكلام
  • ومضات وأدب وجيز
  • حكاية و قصة
  • مسرح
  • للمساهمة في النشر اتصل بنا
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
ميزان الزمان
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
 
مالك صالح في ذمة الله : عودّ من الريحان يسافر مع الريح ( مقالة د. قصيّ الحسين ) 2026/05/19
عبد الحليم حمود في  ” الرحم الأزرق ” يجمع بين الجد والهزل في سردية التفاهة التي تبدأ من نفوسنا ( قراءة د. قصيٍ الحسين )  2026/05/15
أمين الريحاني: المثقف الذي لم يخن الشرق ولا الغرب ( مقالة فاروق خدّاج ) 2026/05/14
التالى
سابق

مالك صالح في ذمة الله : عودّ من الريحان يسافر مع الريح ( مقالة د. قصيّ الحسين )

مالك صالح في ذمة الله : عودّ من الريحان يسافر مع الريح ( مقالة د. قصيّ الحسين )
منصة: رحيل
19/05/2026

رحيل مالك صالح

عود من الريحان نحيل على صخر. عابق دائما بالبساتين وبالكروم والحدائق والجنائن. وبرائحة الأرض. تتشمم ترابها من يدين راعفتين. ومن عينين يعشش فيهما البلبل والحسون والدوري وعصفور التين وأبو الحن. تطير العصافير فرادى ومجتمعين من جيوب ثوبه ومن كميه. كرفوف مهاجرة فوق بحر. وأحلى ما فيه شعره الأبيض: لمة بيضاء ضاحكة من جبل الشيخ، في يوم صحو، أو في ليلة مثلجة. وبسمة ناعمة هادئة على ثغره، من شقوق الفجر. وخطوات مرتاحة، أو هي قلقة. أو هي وجلة أم مسرعة.. أو متعبة من شدة القهر.

يترجل من السيارة صباح كل أحد، أمام الملتقى، محملا بصناديق المواسم التي عبقت بصدره على مهل. قطوف شهية، هي جنى بيت جنوبي. في قرية موغلة في الجنوب، إسمها راميا. من لا يعرف راميا، القرية المؤنسة التي تلامس الشريط الحدودي. ترتاح عندها الطير. وتخفق أنسامها، بأجنحة الفراشات، وأجنحة السنونو، تصنع الربيع في الحوائط، وترتق الكوى بمناقيرها. تنسج المناديل الملوحة لأهلها في البعيد، وتدعوهم، ليناموا ليلة على صدرها.

كل يوم يأخذ مالك منها درسا في القلق. في الإنتقال. وفي الرحيل. تعلمه الهجرة. وتعلمه شؤون البر والبحر. وتعلمه كيف يغرس الورود على حفافي العمر. كيف تمشق الزهور قاماتها، حين تحنو أصابعه عليها. فتضوع بالأطياب للأحباب. ثم تمضي الليلة تسهر على هدب عينيه. تضع ريحها على العشب.

الصورة للمرحوم مالك صالح

ما رأيت أبا ياسر، إلا إعتراني شوق لحبيبته راميا في الجنوب. جعل دارته على الحافة وشرعها للريح والشمس. وأجرى تحتها الماء. وملأ الخوابي والجرار، باللبن والعسل. تركها قوت عابرين بها، فلا ينامون إلا على عشبها، ولا ينامون على جوع.

كان مالك، يعود إلى بيروت في آخر كل أسبوع. يستطلع الوحشة على وجوهنا. ويستطلع الحلول ضاحكا. وحين يقرأ القلق في العيون، يقص علينا أقاصيص الصمود. تدبر الصمود نفسه بنفسه. ونسج له الحكايا. تقمصها من تاريخ أرضه الموغلة في برية راميا الشاسعة، كبدن عاشق قتيل. وكذلك من أقدامه الرطبة في الحقول وفي الجلول. ومن يدين حانيتين معرقتين، معفرتين بأطيان الجدود.

هو مالك صالح، أبو ياسر، إبن بلدة راميا، قطعة من كبدي، في أقصى قرية. في أقصى الجنوب. بدأ الغزو بدارته. وبدأت الحرب بسقف بيته. ونامت الجدران على الأرض، تحمي صدرها. مثل أم حنون. وأضرمت النيران في راميا، حين إشتعلت وردة الدار، وطار الدخان رسائل رسائل، إلى لبنان من باب الجنوب.

ما إرتجف أبو ياسر ولا وجل، ولا تلكأ. خرج من أتون الحرب معفرا. خرج من النيران صاحيا. ملأ قلبه الماء. فإتخذ شكل الماء، حين طوى عطفيه، وأتى على عجل إلى بيروت. وفي فمه بريد واحد: إفتتحوا الحرب على لبنان. بي. ببيتي. براميا. في الجنوب.

رحيل دائم أبو ياسر. يعلم مالك الحزين كيف يفك عقدته، وكيف يحكك قريحته وكيف يفكر دوما، تماما كما تسافر الريح. كما تعلق بجناحيه. كما يطير في الآماد البعاد مرتاحا، كأنه لا يطير..

ودعنا الحبيب مالك أبو ياسر، منذ أسبوع إلى أستراليا. وقفت معه على باب السيارة، لا أعرف لماذا. شددت على يديه كثيرا وقبلت منه وجنتين حمراوين ساخنتين، من أوار دفين. كان باب ملتقى خيرات الزين في قريطم، قد إتسع لنا وخرج في وداعه، صباح ذلك اليوم الأخير. شعرت أن الناحية كلها، طارت كما بالونة. كما مروحة. شعرت من فوري، أنه إستقل مروحية وطارت به إلى إستراليا. في البعيد البعيد…

لماذا نحس أحيانا بالزمن، قادما من الأقاصي. لماذا نحس بهبوب ريحه علينا. أسبوع واحد على وداع أبي ياسر، مالك صالح، إلى جانب خيرات الزين الصابرة، على الحلوة والمرة، وإذا الصهر طار من بين يديها وإختفى…
ماذا تقول لأختها المنتظرة، في القارة الأخرى. حقيقة، ماذا تقول الشقيقة للشقيقة، عن مكابدة المصاب الأليم.

ما أصعب الفراق على عجل. ما أقتل العناق. كان عناق مالك، قصيدة رثاء بيني وبينه. بكى الشعر في عينينا جدولين، حين ودعته. وقفت إليه في الوداع الأخير، كما الليطاني، ألى النهر الكبير. واحد من الشمال وواحد من الجنوب. وبيننا وقف لبنان في الأعالي. وأودعنا أرزه…

اليوم، مع مالك، أبي ياسر، في الوداع الأخير، أذكر ذلك العود من الريحان. كنت منذ أسبوع، تشممت، ذلك العود النحيل…

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.

المقال السابق

عبد الحليم حمود في  ” الرحم الأزرق ” يجمع بين الجد والهزل في سردية التفاهة التي تبدأ من نفوسنا ( قراءة د. قصيٍ الحسين ) 

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انضموا إلى أصدقاء الموقع على فيسبوك :

ميزان الزمان

محتوى إعلاني:

ADVERTISEMENT

ذات صلةمقالات

رحيل محمود بارود : وجعٌ لقامةٍ لا تُنسى ( مقالة د. قصيّ الحسين )
رحيل

رحيل محمود بارود : وجعٌ لقامةٍ لا تُنسى ( مقالة د. قصيّ الحسين )

05/04/2026
في رحيل أحمد قعبور : القلق المزمن
رحيل

في رحيل أحمد قعبور : القلق المزمن

26/03/2026
في رحيل المير طارق إل ناصر الدين  : حارس العروبة الأخير ( مقالة د. قصيّ الحسين (
رحيل

في رحيل المير طارق إل ناصر الدين : حارس العروبة الأخير ( مقالة د. قصيّ الحسين (

08/02/2026
فاتن مرتضى تحاور اسكندر حبش في مقابلة متخيّلة: يكتب الظلّ عن الضوء
رحيل

فاتن مرتضى تحاور اسكندر حبش في مقابلة متخيّلة: يكتب الظلّ عن الضوء

01/11/2025
” شارع الفن ” مقالة اليوم للكاتب د. قصيّ الحسين
رحيل

” شارع الفن ” مقالة اليوم للكاتب د. قصيّ الحسين

29/07/2025
زياد الرحباني … سيمفونية رحيل خالد
رحيل

زياد الرحباني … سيمفونية رحيل خالد

29/07/2025
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الصفحة الرئيسية
  • امسيات
  • قصائد
  • شهرياد الكلام
  • ومضات وأدب وجيز
  • حكاية و قصة
  • مسرح
  • للمساهمة في النشر اتصل بنا