ليلى عساف ديوانا
الفراشة ومواصلة المطاردة “أعيش الحياة كما أكتبها بتأمل طويل/أكتب لأصغي إلى النبض الحقيقي للكون/هنا مكان لألتقي مع قارئ أنقل إليه جناحي فراشة/ تخرج من شرنقتها”.(المقدمة)
عادة، تكتب الفراشة الأفق بجناحيها. وتحمل الرحيق بقدميها. ثم تلون الأثير بألوانها. تستعيرها من قوس قزح: طرف في الماء، وطرف في اليابسة.
ما أصعب الشعر، حين يكون ضوع جناحي فراشة للأفق. كل كلمة. كل لحن. كل حرف، مما تصنع العاصفة. يتخلق الكون كله بين يدي الشاعر. ومن العسر البوح بما في القلب. بإنتظار الوقت الذي يجعل العسر يسرا.
شأن الشاعر الإنتظار، حتى يمر الوقت، فيزيد على الآن آنا. ويصوغ القلائد: قصائد. قصائد.
“ليلى عساف. للأفق. دار نلسن. بيروت-2026: (104 ص. تقريبا)”.
تذوق الشعر هنا، إنما كمن يتذوق عسل الجرح. لا يحتاج إلا إلى العينات البسيطة، حتى يعرف مقدار الحلاوة ومقدار المرارة. فما بالكم بالشاعرة ليلى عساف، وهي تفت الملح في الجرح، ثم تمضغه جيدا، حتى تذوق حلاوة المرارة. فهذا النوع الجديد من الشعر، يجعل الجروح تفتح الورد. فكل الوريقات، هي من أغمار العمر. ونحن لا ندري: تساقط الوقت، أم تساقط الورد. أم أعمار الشاعرة في الحياة واحدة.
“شجرة عريها/تأوهات قلب يتكسر/أوراق تهتز أوراق تسقط تخر على الأرض/ سوف يدفعها الهواء إلى الطيران/ ما تكاد تسقط ورقة حتى تنتهي مهمتها/ الورقة الضعيفة تسقط أولا/ وتضيق عليها غفوة العشاق”.
غلاق ” للأفق ” للشاعرة ليلى عساف
ليلى عساف، الشاعرة، التي تحمل بين يديها رسالة الأرض. تراها مغموسة بالدماء. وبصرخات الأطفال، حين تداهمهم الحرب. ويصبح كل شيء نذيرا بالفواجع التي لا تنتهي. تتابع آلامها فصلا فصلا، من باب الدارة حتى الباحة والساحة وملعب الأطفال وسور المدرسة. وهي في حدها الأدنى، مكونات شعرية، وكائنات خارقة للعادة الساحرة. فليس عجيبا، أن نتلمظ شعرها ذاكرة ذاكرة. وليس بعيدا، أن يصير الجرح بطعم السكر. فيذوب كل شيء في وجع القلم، الذي يستعير من الزمن لونه، ليسيل معه قولا على قول، وهو يسبح للأفق.
“محتويات الغرفة كثيرة من بينها وجع الحياة/ هل دربتها على الرجاء؟/ لا سقف لأحدهم/ لا بيت ولا بلاد/ هناك سجناء رحيل وبرد لا ينام/ ماذا فعلت؟.”
تتداعى الذاكرة لدى ليلى عساف، في الحنين إلى الآلام. وفي الحنين للأرض. وفي الحنين إلى الأحبة. تصف حبها، بأرق من طوايا النفس الشفافة التي تعشق الحياة بين الناس، فتتبادل معهم المسرات والموجعات. تتبادل معهم عطر أيامها الصارخة في الوديان: لماذا ندفع كل هذة الأثمان الباهظة؟.
“قطرة ماء بكامل صلابتها للعراك أم للإختباء/ ينقبون بلا جدوى/ لم يعد من الممكن التعرف عليهم/ العجوز تلطم بقوة/ إبتسامة عريضة/ وإلتماعة عينين صامتتين/ تحت الركام”.
أودية الحياة لدى ليلى عساف، نغم حزين وهم مقيم. تفتش عن ليلة هادئة، لتجد نفسها شريدة مع الناس، على أرصفة المدينة البائسة وفي وديان القرى المهجورة. تستصرخ قومها: لماذا فعلتم بي هكذا؟. فكل شيء عندها، بكاء على أطلال عمر مضى، بلا زاد وبلا ماء وبلا كساء ولا مأوى.
“مقطوع الرأس/ مقطوع الأصابع/ مقطوع القدمين مشبع بالدم/ من يستغيث بمن/ هل هؤلاء المتفرجون بشر.”
ليلى عساف، شعر البرهة العابرة بكل أوجاعها. تلتقط حبة الرمل، تسمع منها قصتها. تصيخ أذنها جيدا، لنداء عميق، دفين أوجاعها.
“حرب قائمة حياة ترتخي مثل بزاقة/ ضوء يلمع/ مدينة تختفي”.
ليلى عساف: الفراشة للأفق ولمواصلة المطاردة. من حقل إلى حقل. ومن دارة إلى دارة. ومن زهرة إلى زهرة: تستعير كل ألوانها، لئلا يطغى الحزن عليها.
“من أين يأتي الضوء/ من نار حطب/ من قمر يحفظ أحلامك عن ظهر قلب/….
يطول الغياب/ في ضوء شمعة تذوب حتى آخرها”. ليلى عساف، فراشة للأفق. وللفرح بالنسيمات التي يشهق لها قلبها. هي إبنة الفرح في بؤس البرهة الماضية في بؤس البرهة القائمة. في بؤس البرهة القادمة. “شيء لا مرئي/ شيء محذوف/ يجعلها تلوي جسمها كقطة داخل كيس/ سعيدة بإسترجاع حلم”.
فرح وبؤس يتعانقان في أفق الليلة الحالمة. فليلى عساف سطر من الفراشات على مخدة أحلامها. على زجاج عينيها. وفي قلبها المنحني للعاصفة.
وأما ديوانها، فقد صنعته قصبة، لمطاردة الذئاب. تنتصر على العواء بأناتها، وتواصل المطاردة كفراشة تلوح للأفق، وتلح عليه، أن يبقى منديلا لعينيها وعيني أمها…
” القمر بات مندهشا بكل حواسه/ يقطر حليبا على وجه رضيع يشع في الليل/ ضوء يميل إلى بنفسجي تاركا لاهثين وراءه/ هل يستطيع شعاع نشأ مثلنا أن يصل إلى رعشة/ تصيبنا أمام القتل؟”.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين






