خريستو النرجسي
الوجه الأيقونة. بل أجمل الأطفال في مدرسته، الفرير -أم الطليان، لا أذكر- في خمسينات القرن الماضي.
إبن بلدة أنفه ، المشاطئة لبلدة شكا والقلمون وقلحات ومدينة طرابلس، حين تغمس الكورة الخضراء، عروسا، رأسها في البحر. هو الذي كان يساهر القمر، يسامره بين مرايا الملاحات الدهرية ومراوحها العاشقة للنسمات، فوق صخور مرفأ فينيقيا التاريخي، في بلدة أنفه. ينظر إلى لجة الماء: يعشق وجهه المتألق. يغار القمر. يغار خريستو. يتبادلان الغيرة في سبج الخليج الجميل، ثم ينظران معا إلى كبد السماء، حيث النيران الدهريان: دير الناطور ودير البلمند: أيهما الأجمل: وجه خريستو أم البدر… حقيقة لا أعرف عما كان يحدثني الدكتور خريستو: عن وجهه أم عن وجه القمر، في اللجة.
تلك السبيكة الفضية، ما كانت تحمل. يتحلق حولها السمار، في الليالي الصائفة. ويتبادلون الرشفات. يتبادلون الشهقات. يتبادلون الشهوات. يتبادلون النظرات، كما بعيون من النرجس. أفرط كثيرا خريستو، في حديثه عن قمر أنفه بين الماء والسماء. كنت أنظر إلى وجهه. كنت أرى خلفه قمر أنفه. كان قمر أنفه حقا، يعرج كل ليلة، من وجهه. كان وجهه معراج قمر أنفه، أم كان وجه القمر، معراج وجهه، في شارع عزمي. حين يخطر. حقيقة ما كنت لأمايز ذلك في حديثه. في بوحه الشيق عن نفسه، لولا أنيما كنت لأنظر إليه إلا كطفل يعشق ظله. فتتداعى في ذهني صورة نرسيس، في كتاب القراءة، التي كانت تجذبني، قبل أن أعرف وجه خريستو، لأنها كانت ترتسم عندي، في صورة قمر مار تقلا، في أعلى الجبل فوق أعالي قريتي. وبين يدي حملين صغيرين في الجبل الغربي. هناك قبالة مار تقلا في أعلى الجبل الشرقي، حيث تنام خلفها أسرارها في عب غابة السنديان، كما كانت الجدات تحادثنا عنها.
خريستو نجم
كان خريستو نجم، عاشق نفسه حقا. يهرب من رفاقه الصغار في أرض الملعب. يلجأ، إلى أقصى الزاوية. يضاءل فيها. يتخفى عن عيني ناظر المدرسة. كانت عينا الناظر تطارده: يصيح عليه مؤنبا، وهو يجذبه إلى جمهرة صفه، كجوهرة تفتش عن تاجها. يبكي خريستو، يعاند ولا يقبل. إلا بعد عركة أذنه. تزيد وجهه جمالا مثل جمر مجمر. ما ذاق ثغر الفتيات في صغره، لأن مدرسته للصبيان لسوء حظه. كان يعشقهن عن بعد. وحين يعود من طرابلس إلى أنفه في أيام العطل المدرسية، يعوض حرمانه: تتحلق الصغيرات حوله مثل صف الفراشات. مثل طوق الأوزات الناعمات ، أو مثل رف من الحمام الزاجل، يحملن منه الرسائل: كلمات كلمات. يفشين حبه، حين يبوح لهن، بعناق ظله في الماء. ما غير خريستو وجهه على من حوله، من الأهل والأصدقاء. كانت شقيقته تتحدث عنه، كعاشق وجهه في المرآة. كان يريد منديلا من الفراشات على ثوبه، حتى يذوق لذة النرجس ويحلو ثغره، الذي لم يتحول. ما عرفت طيلة يومي معه: له فم. فكثير حديثه، ولكنه ينطق عن ثغر نرجس، لا عن فم. كلما كنت رأيت نرجسا، كنت أتذكر خريستو. كان خريستو أشهى في عيني، من حقل نرجس. كثير الغياب، قليل الإياب. كانت شقيقته تعزف عنه إلى الشرفة. تنادي على الأصدقاء: من يريد خريستو! وأما هو، فوراء الكتاب، أمام المرآة، يحمر. يخضل. يخضوضل.
خريستو قطعة عذبة من الموسيقى، لناي شارد بين أيد ناعمات، يسمع ما لا نسمع. لا يغيب قلبه عن عشاقه، فهو في مراقيه، نجم، أم كوكب. يحلم أن السماء بين يديه. وأن النجمات على بابه تسهر. فلا يطيق الخروج من داره. يحلو له دوما أن نلاقيه في ديوانه: قطعة من عسل، أو قطعة من غزل. يحلو له ألا نفارقه، إلا لنكون حوله. خريستو نرجسي بطبعه، هكذا كما عرفته. لا يحادثك عن أمر، إلا كما يتذوق. ينظر إلى وجهه في وجهك: يعرف مقدار المسافة، بين الثغر والمبسم. ينسج خطوه نسج حائك، نفث ريش الطواويس… ملوكا كلما آن منها التلفت. عاش خريستو عمره كله. أباح لي أنه لا يرى نفسه يكبر. يفضل أن يظل مراهقا، حين يلاقي ربه.
خريستو النرجسي، هو قطعة من عمري، أستاذا تعلمت منه الكثير. زميلا لم أبارحه. كنت كلما صادفته أو زرته، مفردا أو مع الزملاء، أشعر أنني أتشمم النرجس. أو أنني أقابل روضة نرجس.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين






