كتب فاروق غانم خدّاج *:
يقدّم الكاتب والمخرج يوسف رِقّة في كتابه «زهور برّية على كوكب غامض» تجربة نثرية تتجاوز حدود الكتابة التأملية التقليدية، لتدخل في فضاء يجمع بين الحسّ الوجداني والسؤال الوجودي، حيث تتحوّل الخاطرة إلى مساحة تفكير مفتوحة على الذات والعالم.
غلاف ” زهور بريّة على كوكب غامض ” للكاتب يوسف رقة
وقد صدر الكتاب عن منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحادة الثقافي، في سياق ثقافي يواكب نتاجات أدبية معاصرة تميل إلى التأمل العميق في الإنسان وموقعه في عالم متحوّل، وقد تضمّن تقديمًا للكتاب بقلم الكاتبة ميراي شحادة، ما أضفى على العمل بعدًا تمهيديًا يوازي طابعه التأملي.
لا يقدّم العنوان نفسه كإشارة عابرة، بل كمدخل رمزي إلى عالم يقوم على مفارقة لافتة: زهور برّية تنمو في بيئة طبيعية هادئة، مقابل كوكب غامض يوحي بالاضطراب واللايقين. هذه الثنائية تختصر إلى حدّ بعيد روح النصوص، التي لا تسعى إلى تقديم إجابات نهائية بقدر ما تفتح مساحات من الأسئلة حول الحب والحرية والإيمان، وما يتفرّع عنها من قلق إنساني دائم.
تتميّز هذه النصوص بطابع تأملي يقترب من الشذرات الفكرية، حيث تتجاور الصور الشعرية مع ومضات ذات بعد فلسفي، تعكس قلق الإنسان المعاصر في بحثه المستمر عن معنى لوجوده. فالكاتب لا يكتفي بتسجيل الانفعال أو الوصف، بل يعمل على تفكيك التجربة الداخلية وإعادة تقديمها في صياغة رمزية، تجعل من الخاص نافذة على العام، ومن الفردي مدخلًا إلى الإنساني.
الكاتب يوسف رقة والناشرة المهندسة والشاعرة ميراي شحادة في معرض أنطلياس للكتاب
ويبرز في الكتاب حضور واضح لموضوعات متكررة مثل الاغتراب الداخلي، والرغبة في السلام، والعلاقة مع الآخر، والحنين إلى صفاء مفقود. غير أن هذه الموضوعات لا تُطرح بشكل مباشر أو خطابي، بل تتوزّع داخل نصوص تعتمد الإيحاء وتبتعد عن التقريرية، ما يمنح القارئ حرية التفاعل معها وفق تجربته الخاصة، ويجعل القراءة فعلًا مشاركًا في إنتاج المعنى لا مجرد تلقي له.
كما يتجلّى في الكتاب توظيف ثنائية “الحبيبة” و“الأرض” بوصفهما رمزين متداخلين؛ فالحبيبة لا تحضر كعاطفة فردية فحسب، بل كعلامة على الجمال والطمأنينة، فيما تتحوّل الأرض إلى فضاء رمزي للانتماء والاستقرار. هذا التوازي يضفي على النصوص بعدًا إنسانيًا أعمق، حيث يغدو الحب وسيلة لفهم الذات والعالم، لا مجرد تجربة وجدانية معزولة.
على المستوى الأسلوبي، تعتمد النصوص لغة شاعرية رصينة، تقوم على التكثيف والاقتصاد في التعبير، مع حضور واضح للصورة المستمدة من الطبيعة والعناصر اليومية. هذا الخيار يمنح الكتاب قدرة على الجمع بين بساطة العبارة وعمق الدلالة، ويجعل النصوص قريبة من القارئ رغم ما تحمله من طابع تأملي وفلسفي.
ومن ناحية أخرى، لا تنفصل هذه الكتابة عن الواقع الإنساني العام، إذ تلامس في خلفيتها قضايا مثل الحرب والنزوح والبحث عن الأمان، من دون أن تتحوّل إلى خطاب مباشر أو تقريري. بل تظهر هذه القضايا بوصفها خلفية شعورية تتسرّب إلى النصوص عبر الصور والإيحاءات، ما يعزّز حضور البعد الواقعي داخل بناء رمزي مفتوح.
يوسف رقة يوقِّع كتابه في مهرجان أنطلياس للكتاب ( آذار 2026)
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه محاولة لالتقاط لحظة إنسانية في عالم سريع التبدّل، حيث تتراجع مساحات التأمل أمام ضجيج الحياة اليومية. تأتي النصوص لتعيد الاعتبار إلى لحظة الصمت الداخلي، بوصفها مساحة ضرورية لإعادة ترتيب العلاقة مع الذات ومع العالم، ولإعادة طرح الأسئلة الأساسية التي غالبًا ما تُهمّش في خضم الانشغال اليومي.
كما يظهر أن الكتاب يتحرك خارج الأطر الأدبية الصارمة، متقاطعًا مع ما يمكن اعتباره قصيدة نثر ممتدة، تتوزع بين الإيقاع الداخلي والتصوير الرمزي، من دون التقيّد ببنية سردية تقليدية. هذا الانفتاح يمنح العمل طابعًا حرًا، ويعكس رغبة في كسر القوالب الجاهزة لصالح تعبير أكثر مرونة وصدقًا.
وتقوم بنية النصوص على مقاطع قصيرة أشبه بومضات فكرية، لا ترتبط دائمًا بتسلسل منطقي خطّي، بل تتجاور في ما بينها ضمن شبكة من الدلالات المفتوحة. هذا الأسلوب يتيح للقارئ أن يعيد ترتيب المقاطع ذهنيًا وفق قراءته الخاصة، في تجربة قراءة تفاعلية تتجاوز حدود التلقي السلبي.
في المحصلة، لا يقدّم «زهور برّية على كوكب غامض» نصوصًا مغلقة، بل يفتح أمام القارئ فضاءً للتأمل والتفكير، حيث تتقاطع الأسئلة مع الصور، والمعاني مع الإيحاءات، في محاولة للاقتراب من جوهر التجربة الإنسانية. إنها كتابة تراهن على الأثر الهادئ والعميق، وتدعو إلى التمهّل في قراءة العالم، وإعادة اكتشاف الذات من خلال نصوص تمنح المعنى فرصة للتشكّل بدل فرضه بشكل جاهز.
***
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
( القراءة نشرت ونقلت عن موقعي ” ألف لام ” و” ثقافيات ” )
الناقد فاروق خدّاج







