( نقلا عن موقع الوكالة العربية / الأفريقية للأنباء )
كتبت د. ماريز يونس :
خريطة رقمية اخترقت صباحنا، لا وزن لها، لكنها حملت ثقل البيت كله إلى قلوبنا. في لحظة واحدة، تحوّل البيت الذي احتضن تفاصيل عمرنا وأيامنا الصغيرة إلى إحداثية باردة وصلت إلينا على سطح رقمي لا يعرف من بيتنا إلا قابليته للتدمير. قرأنا الخريطة أكثر من مرة، لا لأننا لم نفهمها، إنما كمحاولة لتأخير لحظة التصديق. كانت واضحة إلى حدّ لم تترك للخيال منفذًا صغيرًا يمكن أن يختبئ فيه الأمل، ومع ذلك ظللنا نبحث داخل خطوطها عن انزياح طفيف يبعد النقطة الحمراء خطوةً واحدة عن بيتنا، كأن القراءة المتكررة يمكن أن تؤجّل تنفيذ الحكم المحتوم. لكن الحقيقة بقيت هناك، ثابتة وحمراء، تعلن أن البيت دخل طريق الاستهداف، مع الذريعة المعلّبة التي تمنح القصف لغته التبريرية لتُسقِط عن البيت صفته المدنية وتدخله في بنك الأهداف العسكرية، وتُسدل معها الستار على حياة كاملة عاشت هنا يومًا.
كان أقسى ما في تلك اللحظة أن البيت الذي حُكم عليه بالموت لم يكن يحتضن سوى أمي، أرملة وحيدة كانت طوال الحرب تطل على بيتها وتسقي حديقتها الصغيرة لتحفظ إيقاع حياتها داخله. امرأة لم تكن تخبئ في ذلك البيت إلا ذكرياتها وتعبها وأحلامها الصغيرة ولم تكن تحرس سوى نباتاتها، ومع ذلك أتى حكم التدمير محدّد بساعة، ينتظر لحظة التفجير أمام أعيننا وأمام أعين الآخرين.
تحولت الإحداثية خلال دقائق إلى لغة تحركت وفقها المدينة كلها. إذ جابت البلدية الحي بمكبرات الصوت مطالبة بالإخلاء، وبدأ الناس يبتعدون عن بيتنا وفق مسافات محددة، ، كما لو أن بيتنا أصبح فجأة مركز الخطر الذي يجب الابتعاد عنه، بينما بقي مصدر الخطر الحقيقي خارج السؤال والمساءلة!
في تلك اللحظة انتقلنا إلى زمنٍ آخر، لم نكن نعرفه من قبل، زمن انتظار الفقد المؤكد. كنا سبعة في الغرفة نجلس قرب بعضنا، نحاول أن نحمي أنفسنا من الصدمة بكلمات قليلة لا تقول شيئًا، بينما كانت وجوهنا تقول كل شيء. كل واحد منا يحاول في ومضة استعادة العمر الذي تركه بين جدرانه، حتى بدت الذاكرة نفسها وكأنها تعمل أسرع من الزمن، تحاول حفظه قبل أن يصل الصاروخ إليه. وما هي إلا لحظات، حتى خرج البيت من دفئه الخاص، وانكشف كحدث علني ليدخل ضمن زمن البث المباشر. تجمّع مراسلو محطات التلفزة حول البيت، وارتفعت الكاميرات، وجاء المؤثرون بحثًا عن لقطات “الترند”، وكان الجميع ينتظر لحظة تفجير بيتنا كأنه مشهد للفرجة والتداول، أمّا نحن فكنا ننتظر خسارتنا الخاصة التي ستغير معنى حياتنا إلى الأبد.
ثم تأخر بيتنا ساعة كاملة عن الأهداف الأخرى التي كانت تفصل بينها خمس دقائق فقط، وفي تلك الساعة تحديدًا بدأ الأمل يتسلّل إلينا ليشقّ جدار النهايات المحتمة، بدأ كل واحد منا يداعب نفسه باحتمال صغير ” ربما عرفوا أن أمي ليست هدفا في حرب يقودها الرجال…ربما ….
د. ماريز يونس







