كتب د. يوسف غزاوي في ” اللواء الثقافي ” في عدد اليوم :
قمتُ برفقة أحد أصدقائي الفنانين، وبمبادرة منه (د. سامي يحيا)، بزيارة صديقنا الأستاذ «هاني فرّوخ» نجل الفنّان البيروتيّ الكبير «مصطفى فرّوخ» في منزله الكائن في العاصمة اللبنانيّة بيروت. كانت فرصة جميلة ومميّزة أوّلًا، لإلقاء التحيّة على هاني، ولا سيّما بعد مرور وقت طويل على عدم لقائنا به لظروف عدّة فرضت هذا الابتعاد. وثانيًا، كونها فرصة لرؤية أعمال والده عن كثب. يمكن القول إنّ منزل هاني قد تحوّل إلى مُتحف صغير يضمّ أعمال الوالد بمراحلها المختلفة، من البدايات حتى النهايات (الصورة الشخصيّة- الأوتوبورتريه الأخير)، قبل أن يختطفه رحيل الجسد.
من لوحات الفنان الراحل مصطفى فروخ
هاني فرّوخ إنسان مثقّف رصين، محدّث لبق يجعلك تنصت باهتمام إلى ما يقوله؛ تحدّث عن والده كثيرًا، موضوع زيارتنا، وعن الفنّ والحياة وطريق والده في الفنّ، كما جاء عن لسانه، وما رأته قراءة هاني الذاتيّة عنه. حدّثنا عن تاريخ والده والصعوبات المختلفة التي مرّ بها، وتحدّيه للظروف المعيشيّة والاجتماعيّة حينها، وسفره ودراسته وعودته إلى لبنان ومعارضه فيه وفي والخارج، والجوائز والأوسمة التي حصل عليها. وقد حدّثنا عن زمالة والده لبعض الفنّانين اللبنانيّين المعروفين (الرعيل الأوّل إذا شئنا القول) وصوره الكثيرة مع هؤلاء، ومع رجال السياسة والثقافة والعلم والفنّ في لبنان والخارج. حدّثنا عن معاناة الوالد في هذا الوطن الذي يقيس أهمّيّة الفنّان من خلال انتمائه الدينيّ والمذهبيّ والمناطقيّ، الخ.. يمكننا القول إنّ ما قدّمه الفنّان فرّوخ من أعمال وكتابات تضعه في المرتبة الأولى بين هؤلاء الفنّانين دون أيّة مبالغة. اقتصاد لبنان.
مصطفى فروخ يأخذ دروسا في الرسم عام 1913 على يد معلمته الأجنبية
قبل الحديث، وباختصار شديد، عن أعماله، سنتطرّق إلى كتاباته التي ميّزته عن رعيله وعن غيره من الفنّانين التشكيليّين اللبنانيّين. ترك مصطفى فرّوخ عدّة كتب مطبوعة:
«رحلة إلى بلاد المجد المفقود»: كتاب في أدب الرحلات، يسرد فيه مشاهداته وانطباعاته عن المدن والأماكن التي زارها.
«قصّة إنسان من لبنان»: سيرة ذاتيّة ملهمة يروي فيها رحلة كفاحه وصعوده من الفقر إلى قمّة الإبداع الفنّيّ.
«الفنّ والحياة»: مجموعة محاضرات ودراسات فنّيّة حيث يعرض فيه آراءه وفلسفته ودور الفنّ في الحياة والمجتمع.
طرقي إلى الفنّ: يتناول تجربته الخاصّة وتأسيسه لمسيرته الفنّيّة.
هاني فروخ مع لوحة تجسّد صورة والده مصطفى فروخ
المعروف إنّ فنّاني هذا الوطن، كما الوطن العربيّ، لم يتركوا أثرًا أدبيًّا كما هو حال فنّاني الغرب الذين يندر وجود فنّان تشكيليّ منهم لم يعمد إلى الكتابة عن تجربته ورأيه في الفن وعلاقته بالثقافة والإنسان والحياة.. بدءًا من فنّان عصر النهضة، ليوناردو دافنشي وكتابه فنّ التصوير، وصولًا إلى وقتنا الحاليّ، مرورًا بكلّ المدارس والتيّارات الفنّيّة التي عرفتها أوروبا منذ قرون. وهذا ما يُميّز مصطفى فرّوخ بأنّه لحق بركب هؤلاء الكبار من خلال ما تركه من أثر أدبيّ لا يقلّ شأنًا عن أثره الفنّيّ. هو أوّل من كتب في هذا الوطن عن تجربته ومشاهداته ومحاضراته؛ فقد كان سبّاقًا في هذا المجال في هذا الوطن كفنّان تشكيليّ.
نقف مع مؤلّفه «رحلة إلى بلاد المجد المفقود»، ويُعنى بها «الأندلس»، وما كتبه مقدّمه الأديب والناقد والمفكّر اللبنانيّ «عمر فاخوري»، مخاطبّا فروخ بقوله: «.. أتحفتَ الناسَ بهذا الكتاب، باذلًا فيه العطايا الفطريّة، والحسنات الكسبيّة، التي جعلتكَ المقدّم في فنّك النفيس، من صدق النظر، إلى رقّة الإحساس، إلى سعة الخيال..».
أول معرض في الشرق للفنان مصطفى فروخ عام 1927
نقرأ في هذا الكتاب أنّ والديه أمّيان، لا يحسنان القراءة ولا الكتابة، لكنّ والده كان حافظًا للأخبار والأشعار والقصص والأمثال.. ابن بيروت في محلّة البسطة التحتا.. لم يتلقّ مصطفى تعليمًا نظاميًّا، بل درس في مدارس يُطلق عليها «كتاتيب». تلقّى دروسه الأولى في الرسم على يد الفنّان «حبيب سرور». وقبل ذلك، ذكر في كتابه «طريقي إلى الفنّ» (ص. 35) أنّ دروسه الأولى في العام 1912 كانت على يد الآنسة «لند» ابنة المصوّر الفوتوغرافيّ «جول لند» التي كانت تُحسن الرسم حينها، فقامت بإعطائه بعض الدروس لأشهر عدّة. سافر فيما بعد إلى روما لدراسة الفنّ، قبل عودته إلى بيروت، وإقامة معرض فنّيّ خاص برسومه في دار الوجيه «أحمد أيّاس»- قرب الجامعة الأميركيّة في بيروت، ثمّ تلاه آخر داخل حرم الجامعة. يمكن القول إنّ هذا المعرض يُعتبر الأوّل من نوعه كمعرض خاص في بيروت، إن لم نقل في تاريخ لبنان. أقام بعدها العديد من المعارض في لبنان. سافر إلى باريس لإقامة قصيرة، ثمّ انتقل من هناك لزيارة الأندلس التي ألهمت الفنّان كتابة رحلته إلى بلاد المجد المفقود.. تزوّج من ثريّا تميم، وأنجبا وحيدهما «هاني» الذي حافظ على إرث وأعمال والده مصطفى، ورزق أيضًا بفتاة سماها «هناء». كان دائم التأنّق في لباسه، فلم تفارقه البدلة الرسميّة والكرافات مدى حياته باستثناء الشهور الأخيرة قبل وفاته، كما يخبرنا نجله هاني.. اقتصاد لبنان
يعش مصطفى طويلًا، بسبب مرض «اللوكيميا» الذي قضى عليه باكرًا، وهو في الخمسينيّات من عمره.
ما يُميّز فرّوخ أنّه درس الفنّ في زمن ومجتمع اعتبرا التصوير والرّسم شيئان محرّمان وكفرًا وزندقة، فمنعه أهله من دراستها كما يقول. لكنّ إصراره وموهبته الكبرى كانا أقوى من الأهل والمجتمع والتقاليد والتحريم والصدّ. وهذا هو شأن الكبار والعباقرة عبر التاريخ والأزمنة.
حاز على جوائز عدّة في حياته، ومنها وساميّ الأرز الوطنيّ من رتبة فارس ورتبة ضابط (علمًا أنّ الفنان أعلى رتبة وشأنًا، وبدرجات كبيرة من النياشين المذكورة).
كتابه الثاني «طريقي إلى الفنّ» يطول الحديث عنه نظرًا لقيمته الفنّيّة والتاريخيّة والأدبيّة ومضمونه الغنيّ بالمعلومات. نأمل أن تكون لنا وقفة معه للحديث عنه بالتفصيل. يتحدّث فرّوخ في كتابه عن تفتّحه الفنّيّ وموهبته الفطريّة والصعوبات التي عاناها في مجتمعه ومع أهله قبل دراسته للفنّ. ثمّ حديثه عن الحجّ الفنّيّ والصلات الأولى بالفنّ وبمدينة روما ودراسته، ثمّ زيارته لباريس ومتاحفها.. وأيضًا، كتابة عن خاطرات في الأخلاق والمجتمع، وينهيه بالعودة إلى الوطن..
من لوحات الفنان مصطفى فروخ
أمّا أعماله الفنّيّة فمتنوّعة لا يمكن حصرها في كلمات قليلة؛ أنتج ما يُقارب الألف وخمسمئة عمل فنّيّ كما يخبرنا هاني، وليس خمسة آلاف كما يذكر البعض في كتاباته. تنوّعت لوحاته بين الطبيعة الساحرة الخلّابة التي يطغى عليها اللون والضوء قرّبتها من الانطباعيّة الفرنسيّة، ورسوم وتصاوير لرجال ونساء وحياة القرى، منفّذة بمادّة التلوين الزيتيّ والمائيّ والأقلام والحبر الصينيّ بالأسود والأبيض. أمّ القياسات فتتعدّد من صغيرة ومتوسّطة وكبيرة الحجم قد تصل إلى الثلاثة أمتار طولًا كجداريّة «معاوية» وجداريّة «قصر بيت الدين»، التي اختفت، ولم يبقَ لها أثر!! أعمال تاريخيّة أخرى تناولت الأمير بشير، وأبا نواس، وعقبة بن نافع، وطارق بن زياد، والأمير بشير مع ناصيف اليازجيّ كاتم أسراره. ورسم الحجّاج وعبدلله بن المقفّع والطبريّ وابن الورديّ. ورسم النهضة من خلال الحصان والفارس كرمز لها ظهر في أكثر من عمل. أعمال أصليّة يعرضها هاني في منزله، لم يتبقّ منها إلّا القليل، إضافة إلى صور لأعمال أخرى كثيرة وملصقات وكاتالوغات ونسخ من كتبه ورسوم مطبوعة على بطاقات صغيرة الحجم تدلّ على الثروة الفنّيّة التي تركها هذا الفنّان أثناء حياته وعطائه الثريّ. تسنّى لنا رؤية عمل لفروخ، مطبوع على بطاقة متوسّطة الحجم، يختلف عمّا شاهدناه من أعمال واقعيّة؛ شخص واقف حيث طغى اللون الأزرق على العمل مع ضربات ريشة تُنبىء بولادة تعبيريّة ما، ولتخبرنا أنّ فرّوخ كان بصدد إنتاج أعمال جديدة لو تسنّى له العمر المديد، وإن دلّ هذا على شيء فعلى روح الفنّان الباحث دائمًا عن التجديد والتطوّر وعدم التكرار..
مصطفى فرّوخ فنّان ندر وجوده، يُعتبر أحد روّاد الفنّ الحديث، إن لم نقل أبرزهم.. التحيّة له ولبيروت التي أنجبته..
د. يوسف غزاوي
*فنّان التشكيليّ وباحث
الباحث والفنان التشكيلي د. يوسف غزاوي ( الصورة من هاتف الفنان د. صالح الرفاعي )






