– كتب د. فاروق غانم خداج **(كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني) :
عندما تعلّمت أن أرى
لم تكن لحظة دخولي إلى قاعة المحاضرات في كلية الآداب مجرد بداية فصل دراسي عادي. كانت، كما أستعيدها اليوم بعد كل هذه السنوات، بداية تشكّل علاقة مختلفة مع اللغة، ومع معنى الأستاذ ودوره. كنت طالبًا في السنة الأولى، أحمل مزيجًا من الحماسة والارتباك، وأبحث عن معنى أعمق للدراسة الجامعية. لم أكن أعرف أنني سألتقي شخصية تعيد ترتيب علاقتي بالمعرفة من الداخل، وتفتح في ذهني أبوابًا لم أكن أعلم بوجودها. ذلك الشخص هو الأستاذ الدكتور محمد توفيق أبو علي.
العميد د. محمد توفيق أبو علي
كنت قد عرفته قبل أن أراه؛ لا من خلال كتبه وحدها، وإنما من ظهوره في برنامج «المميزون» مع الدكتور شكري أنيس فاخوري. هناك شدّني هدوؤه اللافت، تلك السكينة التي لا تُصطنع، وطريقته في الحديث التي تجمع الصرامة الفكرية والرقة الداخلية. بدا لي آنذاك صاحب رؤية ثقافية متكاملة، يتعامل مع العربية على أنها مسؤولية تتصل بالإنسان ووجوده.
عندما دخل القاعة للمرة الأولى، لم يكن في حضوره شيء استعراضي. لم يرفع صوته، ولم يلوّح بالامتحان، ولم يفرض هيبته بالوسائل التقليدية. ومع ذلك، كان حضوره قويًا على نحو مختلف. جلسنا في صمت، وكأن كل واحد منا ينتظر أن يعرف ماذا سيحدث.
ثم بدأ الدرس.
غير أن الذي انطلق فعليًا لم يكن شرحًا بالمفهوم المألوف، بل إعادة تعريف للنص نفسه.
كان يتعامل مع المفردات كما لو أنها كائنات حية، لكل واحدة تاريخها وظلالها وإيقاعها الخاص. لم يسمح لنا بالمرور السريع على كلمة. كان يوقفنا عندها، ويفتح داخلها أسئلة لم نكن نراها من قبل.
أتذكر جيدًا أنه حين شرح معلقة امرئ القيس، توقف عند فعل صغير: «فدلى». سألنا: لماذا «دلى» بالذات؟ لماذا لم يقل «أنزل» أو «حرّك»؟ ثم أخذ يفكك الفعل، ويتتبع جذوره واستعمالاته في القرآن والشعر القديم.
في تلك اللحظة أدركت أن اختيار المفردة ليس مسألة لغوية فحسب، وإنما قرار فني ورؤية للعالم.
تحت وقع ذلك الانبهار، فهمت أمرًا تأسيسيًا: الأدب ليس نصوصًا محفوظة، بل طريقة في التفكير؛ والعربية ليست ما يُقال فقط، وإنما كيف يُقال، ولماذا اختير هذا التعبير دون غيره.
في السنة الأولى، لم نكن قد دخلنا بعد في عوالم الأدب الجاهلي المتخصصة. كان يمهّد لنا، ويزرع فينا أسئلة كبرى حول العربية والوجود والكتابة، قبل النزول إلى التفاصيل. وكان يعلمنا أن القراءة الحقيقية تبدأ بالدهشة، لا بالإجابة.
وكنت أشعر أن كل محاضرة تترك في داخلي بذورًا لن تنبت إلا بعد سنوات.
كان شديد الحرص على سلامة التعبير. لا يتسامح مع التراخي أو العموميات المبهمة، ويعيدنا باستمرار إلى الدقة في اختيار المفردة. لكنه لم يكن صارمًا بمعنى الإقصاء أو التخويف، بل بمعنى البناء. كان يرى في كل طالب إمكانية كامنة تحتاج إلى توجيه لا إلى كسر. وشعرت أكثر من مرة أنه يقرأنا قبل أن نقرأ ما بين أيدينا.
أذكر موقفًا بقي في ذاكرتي كضوء لا ينطفئ.
في إحدى المحاضرات، تجرأت وقلت له إنني لاحظت تقاطعًا شعريًا لافتًا. كنت قد قرأت للشاعر اللبناني الكبير شوقي بزيع قصيدته التي يقول في مطلعها:
«أيَّ القصائدِ هذا اليومَ أذخرُ
أمَّتُّ حقًّا إذاً فالقلبُ ينحسرُ»
ولاحظت أن المطلع يتقاطع في إحساسه وصوره مع بداية قصيدة أخرى. ولم أكن أعرف أن القصيدة الثانية تعود إلى الأستاذ الدكتور محمد توفيق أبو علي نفسه؛ فقد عثرت عليها في إحدى المجلات الثقافية من غير أن أنتبه إلى اسم صاحبها.
كان التقاطع واضحًا في عيني: التوتر الشعري نفسه بين الامتلاء والانحسار، ولغة تتردد بين الجهر والصمت.
رفعت يدي وقلت له: «هناك تقاطع في الصورة الشعرية بين مطلع قصيدة للشاعر شوقي بزيع ومطلع قصيدة أخرى قرأتها». وشرحت فكرتي وأنا خائف من أن يكون كلامي ساذجًا.
لكنه توقف، وابتسم ابتسامته الخفيفة التي لا تزال حاضرة في ذاكرتي، ثم قال بهدوء:
«التوارد في الشعر ليس نادرًا، لكن أن يلاحظه طالب في بداية طريقه، فهذا يعني أن عينه بدأت ترى».
لم تكن تلك العبارة مجاملة عابرة. كانت لحظة اعتراف ضمني بأن الطالب يستطيع أن يصبح شريكًا في الفهم، لا متلقيًا سلبيًا. وكانت أيضًا إشارة إلى تواضع نادر: أستاذ كبير لا ينزعج من المقارنة بين قصيدته وقصيدة شاعر كبير، بل يفرح لأن طالبًا انتبه إلى هذا التقاطع.
مع مرور الوقت، أخذت علاقتي به تتجاوز حدود القاعة. صرت أتابع ما يكتب في المجلات الثقافية والندوات والمؤتمرات، وأحتفظ بملاحظاته كأنها كنوز صغيرة. وكنت أشعر أن كل كلمة منه تحمل امتدادًا لفكر أوسع من الدرس نفسه.
كان حضوره في حياتي الأكاديمية يشبه خلفية هادئة تعيد تشكيل طريقة التفكير دون ضجيج.
وهكذا، لم تعد الصلة به مرتبطة بسنة جامعية محددة، بل دخلت في تكويني الفكري. أجد صوته حاضرًا في كل قراءة متأنية، وفي كل عبارة أكتبها بدقة، وفي كل محاولة لفهم أن العربية ليست سطحًا جامدًا، وإنما عمق لا ينتهي يحتاج إلى إصغاء بكل ما نملك من حواس.
عندما فتحت النصوص القديمة عيني على الحياة
جاءت السنة الثانية، ومعها الموعد الحقيقي مع الغوص في الأعماق.
بعد أن زرع فينا خلال العام الأول أسئلة كبرى حول العربية والوجود والكتابة، حان وقت النزول إلى التفاصيل ومواجهة النصوص القديمة وجهًا لوجه.
كان القادم هو الأدب الجاهلي.
كنت أخشاه قليلًا، لأنني تخيلته عالمًا صحراويًا بعيدًا لا صلة له بحياتي. لكن المحاضر، منذ اللقاء الأول، هدم الصورة التي صنعتها في ذهني.
لم يبدأ بشرح المعلقات كمعلم يلقي درسًا في التاريخ الأدبي، بل طرح سؤالًا بسيطًا ظل عالقًا في ذهني طوال العام:
«هل تعتقد أن إنسانًا عاش قبل ألف وأربعمائة عام كان يختلف عنك في مشاعره الأساسية؟»
كان صمت القاعة جوابنا.
ثم قال:
«الخوف، الحب، الطموح، الغيرة، الحزن، الفرح… لم تتغير. فقط تغيرت الأدوات التي نعبّر بها».
في تلك اللحظة، شعرت أن الجدار الزمني الفاصل بيني وبين الجاهلية بدأ يهتز. لم نعد ندرس كتابات ميتة، بل صرنا نقرأ شهادة إنسان لإنسان عبر الزمن.
كان يقرأ لنا بيتًا من شعر امرئ القيس أو طرفة بن العبد، ثم يتوقف، ويطلب منا أن نتخيل: من هذا الشاعر؟ لماذا يقول هذا الكلام؟ لمن يتحدث؟ ماذا يخفي بين السطور؟
أتذكر أنه توقف عند معلقة طرفة بن العبد، وتحديدًا عند البيت الذي يفخر فيه بنفسه وسخائه. لم يقل لنا: «هذا بيت فخر»، وإنما سأل:
«ماذا كان يخسر هذا الشاعر لو لم يقل هذا البيت؟ ولماذا يحتاج إنسان إلى أن يقول للناس: أنا كريم؟»
هناك بدأت أدرك أن الشعر الجاهلي لم يكن لغوًا لغويًا، بل وسيلة وجود، وأداة للبقاء والظهور والخلود داخل مجتمع قاسٍ. كان الشعر سلاحًا، وكان الجود بطولة، وكان اللسان مرآة للرجولة والمكانة.
وهكذا، درسنا الأدب الجاهلي على مدى أشهر، لكننا لم نتناوله كظاهرة تاريخية فحسب، بل ككائن حي يتنفس ويتألم ويفرح ويخاف.
كنا نقرأ عن الكرم، فنناقش البخل في أنفسنا. نقرأ عن الثأر، فنسأل عن العدالة. نقرأ عن الحكمة، فنكتشف حدود جهلنا.
ولم نكن نعلم آنذاك أن الأستاذ كان يمسك بخريطة واسعة لهذا العالم، خريطة رسمها بتفصيل قبل سنوات في أطروحة الدكتوراه التي أنجزها ونالت أعلى علامة في تاريخ الكلية. كان يدرّسنا من خلاصة ذلك البحث الإنسانية، من غير أن يثقل علينا بجفاف المنهج الأكاديمي.
في هذه المرحلة تحديدًا، بدأ أثر موقف بزيع في السنة الأولى يتضح أكثر. كنت قد تعلمت أن عيني قادرتان على الرؤية، وأن المقارنة بين الكتابات ليست تجاوزًا، بل طريق إلى اكتشاف العلاقات الخفية.
وهنا، في الأدب الجاهلي، مارست هذه العين الجديدة حقها. صرت أقرأ البيت القديم وأسأل: ما الذي يشبهه في الشعر الحديث؟ ما الذي يختلف؟ لماذا لا نكتب اليوم بالطريقة نفسها؟
كان يلاحظ هذا الفضول المتزايد في عيوننا، ويبتسم ابتسامته الخفيفة. لم يكن يريد منا الحفظ، بل الاكتشاف.
كان يوزع علينا نصوصًا متفرقة من كتب الأمثال القديمة، ويطلب منا الرجوع إلى مصادر مثل «مجمع الأمثال» للميداني، لقراءة المثل في سياقه، ومعرفة قائله والظرف الذي قيل فيه والسبب الذي جعله يتحول إلى قول سائر.
كنت أشعر أنني لست طالبًا فحسب، بل باحثًا صغيرًا يبحث في دهاليز العربية عن كنوز مدفونة. وما زاد دهشتي أن المحاضر كان يتعامل مع تلك الكنوز كأنه يعرفها منذ زمن بعيد، كأنه يعود إلى بيت قديم يحفظ زواياه.
ومع ذلك، كان حريصًا على ألا نستعجل النتائج. لم يقدم أجوبة جاهزة، بل كان يضيف إلى كل جواب سؤالًا جديدًا.
كنا نخرج من المحاضرة وفي رؤوسنا عواصف، ثم نعود في الأسبوع التالي بشغف لمناقشة ما وجدناه وما لم نجده.
أدركت خلال تلك السنة أن القراءة الحقيقية لا تقتصر على فهم ما يقوله الكلام، بل تشمل البحث عما لا يقوله، وما يختبئ خلف عباراته.
وتعلمت أن الجاهلي لم يكن بدائيًا، بل إنسانًا معقدًا يحمل تناقضات كثيرة: كريمًا في موقف، وبخيلًا في آخر؛ شجاعًا، لكنه يخشى العار؛ حكيمًا، لكنه يغضب كالأطفال.
وكنت أتساءل أحيانًا: كيف يستطيع هذا المحاضر تحويل النصوص القديمة إلى حوار حي مع أرواحنا؟
لم أكن أعرف أن الإجابة كانت أمامي طوال الوقت، وأنها لن تتكشف إلا بعد سنوات، عندما أقرأ أطروحة الدكتوراه.
الأطروحة التي كان يدرّسنا من خلاصتها دون أن يخبرنا.
مرت السنة الثانية كأنها ومضة. لم تعد مجرد محطة في سجلي الأكاديمي، بل صارت فصلًا في وعيي.
الأدب الجاهلي الذي كنت أخشاه أصبح صديقًا، والكتابات القديمة التي حسبتها بعيدة تحولت إلى مرآة تعكس داخلي.
خرجت من تلك المرحلة وأنا أحمل سؤالًا كبيرًا زرعه المحاضر في داخلي دون أن يقصده مباشرة:
كيف تستطيع العربية أن تحمل كل هذا العمق، وكل هذه التناقضات، وكل هذه الحياة، في كلمات قليلة؟
كان ذلك السؤال ينتظرني في اليوم الذي فتحت فيه أطروحته.
الأطروحة التي كشفت لي سرّ الأستاذ
بعد سنوات من تلك المحاضرات التي غيّرت علاقتي بالعربية، وبعد أن تخرجت وظل صوته يتردد في داخلي مع كل قراءة، قررت أن أعود إلى الجذر. أردت أن أقرأ أطروحة الدكتوراه التي أنجزها في مرحلة سابقة من حياته الأكاديمية.
كنت قد سمعت عنها قبل أن أراها. سمعت أنها نالت أعلى علامة في تاريخ الكلية، وأن لجنة المناقشة أشادت بها، وأن الجامعة أوصت بنشرها تقديرًا لقيمتها العلمية والمنهجية.
لكنني لم أستوعب معنى هذه الكلمات حتى وقعت الأطروحة بين يدي، وبدأت أقرأها بصمت طويل.
كان العنوان وحده كافيًا لإثارة فضولي:
«صورة العادات والتقاليد والقيم الجاهلية في كتب الأمثال العربية»
لم يكن عنوانًا تقليديًا في نظري، بل بدا وعدًا بقراءة مختلفة للتراث.

خلال الأيام التالية، وأنا أغوص في صفحاتها، أدركت أنني أمام عمل لا يمكن اختزاله في بحث علمي يُنجز ثم يُركن على رف المكتبة. لقد وجدت فيه المنبع الفكري الذي فهمت من خلاله الطريقة التي عشتها في قاعة الدرس.
في البداية، توقعت دراسة لغوية جافة، تجمع الأمثال وتصنفها وتضعها في جداول. لكنني سرعان ما اكتشفت أن الباحث لم يكن يجمع الأقوال، بل يقرأ المجتمع الجاهلي من خلالها.
كان يتعامل مع كل مثل كنافذة صغيرة تطل على حياة إنسان عاش قبل قرون طويلة. يسأل: من قاله؟ في أي موقف؟ لماذا نطق به بهذه الصيغة؟ وكيف انتقل قول عابر من لحظة محددة إلى حكمة تتناقلها أجيال متعاقبة؟
عندها تحولت الأمثال في عيني من جمل جامدة إلى حكايات نابضة، وإلى لحظات إنسانية اختزلتها العربية في كلمات قليلة.
خلف كل قول، صرت أرى رجلًا يخاف، أو امرأة ترجو، أو محاربًا يفتخر، أو أبًا يوصي.
وبدأت أرى الإنسان الجاهلي لا كما تصوره بعض الكتب التاريخية في صورة عامة، وإنما من خلال تفاصيل حياته ومشاعره وقيمه وتناقضاته.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في مكان آخر.
وأنا أقرأ الأطروحة، أخذت أستعيد ذكرياتي في قاعة الدرس. تذكرت طريقته في شرح الأمثال، وتوقفه عند سياق كل قول، وإعادة بناء الموقف حتى نشعر كأننا نراه أمامنا.
وفجأة، انفجرت في داخلي دهشة متأخرة:
هذا الذي أقرؤه الآن في الأطروحة هو نفسه الذي كنت أسمعه منه في القاعة، لكن في صورة أبسط وأقرب إلى القلب.
لقد كان يدرّسنا من هذا العمل طوال الوقت، دون أن يخبرنا.
لم يتفاخر يومًا ببحثه، ولم يقل لنا: «أنا صاحب هذا الإنجاز». كان هادئًا، يزرع فينا محبة العربية كأنه يمنح سرًا لا يريد أن يعرف أحد أنه سرّه.
وهناك فهمت معنى آخر للتواضع.
أدركت أن القيمة العلمية لا تحتاج إلى إعلان دائم، وأن أثر الباحث يظهر في تفاصيل تدريسه، وفي احترامه لمن يتعلم، وفي الطريقة التي يفتح بها أبواب المعنى أمام طلابه.
ما أعجبني في الأطروحة أنها لم تكتف بجمع الأمثال، وإنما بنت صورة واسعة عن القيم الجاهلية: الكرم، الفخر، الثأر، الشجاعة، الوفاء، إلى جانب الغدر والبخل والجبن.
وكان الباحث يرد كل قيمة إلى سياقها الحياتي، فلا يتركها مفردة معلقة، بل يعيدها إلى موقف بشري واضح.
شعرت وأنا أقرأ أنني لا أقف أمام باحث يصف مجتمعًا قديمًا من بعيد، بل أمام عقل يحفر في طبقات الثقافة بحثًا عن جذور المعنى.
قرأت الأطروحة كاملة في أقل من أسبوع.
وبعد أن أنهيتها، جلست طويلًا أتأمل غلافها.
بكيت قليلًا.
لم يكن بكائي حزنًا، وإنما كان بكاء امتنان.
أدركت كم كنت محظوظًا لأنني جلست في قاعة ذلك الأستاذ، وكم كان كريمًا حين منحنا من ثمرة سنوات طويلة من البحث والتنقيب، ولم ينتظر منا أكثر من أن نحب العربية ونحسن الإصغاء إليها.
منذ ذلك اليوم، صرت أقرأ بطريقة مختلفة.
لم تعد أطروحة الدكتوراه في نظري عملًا أكاديميًا أُنجز للحصول على شهادة، بل أصبحت نموذجًا لما يمكن أن يكون عليه البحث حين يظل قريبًا من الإنسان، ولما يستطيع العلم أن يفعله حين لا يفقد دفأه.
وصرت أرى أستاذي من زاوية أخرى.
لم يعد بالنسبة إليّ صاحب محاضرات مميزة فحسب، ولا الباحث الذي أنجز أطروحة لافتة، بل الإنسان الذي استطاع أن يحوّل معرفته إلى أثر يمتد من الورق إلى العقول، ومن القاعة إلى الحياة.
والآن، كلما قرأت مثلًا عربيًا قديمًا، أتذكره.
أتذكر كيف كان ينقر على الطاولة بأصابعه، وكيف كانت ابتسامته الخفيفة تسبق بعض تعليقاته، وكيف قال لنا يومًا:
«التوارد في الشعر ليس نادرًا، لكن أن يلاحظه طالب في بداية طريقه، فهذا يعني أن عينه بدأت ترى».
أما أنا، فأضيف اليوم، بعد قراءة الأطروحة:
لا، يا أستاذي. العين لا ترى وحدها.
أنت من فتحتها.
وأنت من أضأت لها الطريق؛ بعلمك، وصبرك، وتواضعك، وبذلك السر الذي لم تبح به يومًا، لكنه كان حاضرًا في كل كلمة قلتها.
*
الكاتب د. فاروق غانم خدّاج







