نوتردام مونتريال
للمرة الثالثة، أزور هذا المعلم الأثري في مدينة مونتريال القديمة. زرت هذة الكاتدرائية في العام الماضي مرتين. مرة للتعرف عليها. ومرة ثانية بعد ثلاثة أشهر لوداعها. وهذة هي المرة الثالثة التي أزورها بكل شغف.مع الشعور بالإنجذاب إليها: كانت هذة الكاتدرال، قد تركت في نفسي أثرا لا يمحى.
كنت أقرأ على اللوحات المحيطة بها، كيف وصل المهاجرون الفرنسيون “التبشيريون” الأوائل، إلى هذا المكان الساحر، فوضعوا فيه حجر الأساس لمدينة عامرة.
أتحدث عن أول مرفأ أقيم على نهر سان لوران الذي يشق المدينة اليوم. وقد حمل أسم الملكة فيكتوريا. وتحول اليوم إلى معلم سياحي، تطل عليه الساحات والباحات الخضراء. ويتصل بسكة الحديد القديمة. أتحدث أيضا عن الأسواق المحيطة بالكاتدرائية، وقد بنيت قبلها. وإستكملت وزينت بعدها. وأتحدث أيضا عن المركز الطبي الذي لا زال عامرا، وهو يعود ربما، إلى القرن السابع عشر أو الثامن عشر.

والحديث يطول، إذا ما توقفنا عند المنشآت التي أرسى بنيانها، المهاجرون الأوائل. وهي جميعا كانت في خدمة الدولة. وأتحدث بالتالي عن المتحف والجامعة والكليات الملحقة بها. وعن البنوك والمصارف القديمة. وعن الجسور والمراسي والمرافئ البسيطة،على نهر سان لوران. وعن الجسر الأول الذي أقيم فوقه، في عهد الملكة فيكتوريا، وكان في خدمة عربات البغال والخيل والحمير. ثم لم يلبس أن ألحق به جسر للقطار، حيث لا تبعد عنه كثيرا إهراءات القمح، التي أنقذت أوروبا من الجوع.

المدينة القديمة، أو مونتريال القديمة، واحد. لأنها المدينة التي سرعان ما نمت وإتسعت في الجهات الأربع. فكانت كاتدرال نوتردام، نجمة تلك المدينة، التي أضاءتها، وجعلت المحلة القديمة من مونتريال، محلة جاذبة للسياح من كل مناطق العالم.
كاتدرائية نوتردام مونتريال، تتوسط هذة المدينة الحديثة العهد، الذي لا يبعد تاريخها أكثر من أربعمائة عام، على وجه التقدير. وأما الكاتدرائية نفسها، فقد بوشر البناء بها في العام1824م. كما تم تدشينها بعد خمسة أعوام، أي في أول يوليو من العام 1829. وهي تقع اليوم على الطريق المسمى بإسمها في الشارع 110 عند زاوية سانت سولبيس.

إحتذى المعماريون الذين قاموا بتشييد البناء، أسلوب نوتردام المعماري في باريس. وذلك من حيث البرجان العاليان على جانبي البناء ذي الإسلوب القوطي. ومن حيث واجهتها المعمارية. وكأنهم أرادوا بناء نسخة ثانية عن نوتردام باريس، تخليدا لها. نظرا لما كان في نفوس المهاجرين الفرنسيين، من تأثر بأصول عمائرهم التي غادروها.
وأما الكاتدرائية من الداخل، فقد أبدعوا في تزيينها. وزادوا وأنقصوا فيها، من جهة اللوحات التزيينية الزخرفية. وكذلك من جهة العقود والأعمدة والقباب والأبواب المزخرفة.
تقع كاتدرائية نوتردام- مونتريال، على هضبة عالية، مشرفة على الجهات الأربع، لا يحجبها أي مرتفع عن رؤيتها شامخة من بعيد. لولا بعض عمائر الأبراج الزجاجية التي أحيطت بها. وهذا ما يعكس جشع المستثمرين، الذين لا يقيمون وزنا للتاريخ ولا للحضارة. ولو ترك لهذا المعلم التاريخي والديني والحضاري، ما يخصه من الباحات والساحات، لكان اليوم يتمتع بحلة بالغة الجمال. لجهة إشرافه على السوق. وعلى نهر سان لوران، وعلى جميع النواحي التي بنيت حديثا حولها.
نوتردام- مونتريال، عمارة مجدة ومجيدة ومجددة، في تلك الناحية القصية من المدينة القديمة، كما يسمونها. وإليها تهفو قلوب جميع الزائرين لهذة المدينة. وخير شاهد على ذلك، ما يسجل على بابها، من الأعداد الغفيرة التي تقصدها، من بعيد، أو من قريب، لأنها حلة فريدة. تفتح ذراعيها للزائرين كل يوم. وخصوصا في أيام الآحاد والأعياد والعطل الرسمية، حتى يتسنى للجميع زيارتها، والوقوف على هذا الأثر الرائع، وجميع آثار المدينة القديمة المحيطة بها.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصي الحسين







