كتب الناقد التشكيلي المصري محمد طلعت :
ربما لم تعد المشكلة الأساسية في الفن المعاصر هي ما يقوله العمل، بل قدرته على أن يجعلنا نتوقف أمامه. نحن لا نعيش
فقط في عصر الصورة، بل في عصر فائض الصورة؛ مشهد يزيح مشهداً، وإعلان ينافس خبراً، وفيديو يبتلع ما قبله قبل أن
تكتمل رؤيته. في هذا العالم صار الانتباه مورداً نادراً، وصار كل شيء تقريباً يتعلم كيف يخطفه.
دخل الفن إلى هذا الاقتصاد بالضرورة. أصبح مطلوباً من العمل أن يُرى قبل أن يُفهم، وأن يلفت قبل أن يُقرأ، وأن يصنع أثره الأول
بسرعة: لون قوي، حجم كبير، سطح لامع، مادة غريبة، أو علامة يمكن التعرف عليها فوراً. لا شيء من هذا خطأ في ذاته؛ المشكلة
تبدأ حين تصبح لحظة الانجذاب هي التجربة كلها، وحين ينجح العمل في أن يقول «انظر إليّ » من دون أن يبقى لديه الكثير ليقوله
بعد ذلك.
هناك فارق بين العمل الذي يجذب العين لكي يفتح لها باباً، والعمل الذي يجذبها لكي
يحتجزها عند الباب.
لهذا لا أرى القضية صراعاً بين الفن الجميل والفن العميق، ولا بين الزخرفة والفكر. الزخرفة نفسها قد تحمل تاريخاً وذاكرة وعقيدة
وزمناً. الخيامية، والنسيج، والسجاد، والزخارف الإسلامية تثبت أن السطح يمكن أن يكون شديد العمق. المشكلة ليست في السطح،
بل في اللحظة التي لا يحمل فيها السطح أثر شيء مر تحته.
الجلد سطح، لكنه يحمل العمر. الندبة سطح، لكنها حادثة أصبحت مرئية. التجاعيد ليست مجرد خطوط، بل الزمن حين يصل إلى الوجه. بهذا المعنى، ليس الفن السطحي هو الفن الذي يهتم بالسطح؛ بل الفن الذي لا يحمل سطحه أي أثر: لا مقاومة، لا ذاكرة، لا سؤال، ولا شيء يتبقى بعد الانبهار الأول.
الهشاشة وراء اللمعان
وربما تكون «الهشاشة» كلمة أدق من «السطحية» لوصف عصرنا. نحن نعيش داخل ثقافة شديدة الثقة في مظهرها، شديدة القلق في داخلها. كل شيء يريد أن يبدو مكتملاً: الجسد، المنزل، السفر، النجاح، وحتى الحزن. لم يعد كافياً أن نعيش التجربة؛ أصبحنا نحتاج إلى صورة تثبت أننا عشناها.
في المتحف لم يعد المشاهد دائماً يقف أمام العمل فقط؛ كثيراً ما يقف أمام الكاميرا والعمل خلفه. تغير اتجاه النظرة: العمل أصبح خلفية، والمشاهد أصبح موضوع الصورة. لم يعد السؤال «ماذا رأيت؟» بقدر ما أصبح «كيف بدوت وأنا أرى؟». وهنا يدخل الفن في صناعة الهوية، فلا يزين المكان فقط، بل قد يزين صورة صاحبه عن نفسه.
اسم الفنان، المؤسسة، سعر المزاد، وسجل المعارض قد تصبح طبقات تسبق فعل الرؤية. ويتحول «الذوق» نفسه إلى رأس مال
رمزي: المال يقول إنني أستطيع أن أشتري، أما الفن فيقول إنني أعرف ماذا أشتري. الخطر ليس في السوق ذاته، بل حين تصبح
قيمة السوق بديلاً عن فعل النظر، وحين نرى الاسم والسعر قبل أن نرى العمل.
لوحة ” مار جريس ” للفنان التشكيلي المصري أحمد المناويشي
الفن الذي يشد الانتباه
حين يصبح العمق نفسه ديكوراً
الخطر لا يوجد فقط في الفن اللامع أو الملون. حتى «العمق» يمكن أن يتحول إلى أسلوب جاهز: جدار أبيض، فراغ كثير، خامة
فقيرة، صدأ محسوب، أثر يد مقصود، ونص فلسفي كثيف. يمكن للهشاشة نفسها أن تصبح شكلاً أنيقاً، وللفوضى أن تصبح مصممة،
وللتمرد أن يتحول إلى علامة تجارية. السوق لا يحتاج دائماً إلى مقاومة النقد؛ يستطيع أن يعرضه ويموله ثم يبيعه.
ولهذا فالموضوع وحده لا يمنح العمل عمقاً. ليس كل عمل عن الحرب عميقاً، ولا كل عمل عن الهجرة سياسياً بالضرورة. يمكن
للمأساة أن تتحول إلى مادة للفرجة: الخراب جميل بصرياً، والجدار المتآكل غني بالملمس، والدخان يصنع صورة قوية. السؤال الأصعب هو كيف يستخدم الفنان الصورة من دون أن يستهلك ما تصوره، وكيف يحمل الألم من دون أن يحوله إلى ديكور للمأساة.
الهشاشة الحقيقية ليست ورقاً ممزقاً أو قماشاً مهترئاً؛ إنها أن يترك العمل داخله منطقة لم تُحسم، وأن يعترف بأنه لا يمتلك
موضوعه بالكامل. أن يحتفظ بشيء لا يستطيع الفنان ولا القيّ م ولا النص أن يغلقه. فإذا كان كل شيء قد شُ رح مسبقاً، يصبح
المتلقي مجرد مستهلك للتفسير.
ربما يكون أبسط تعريف للعمق: أن يبقى في العمل شيء بعد أن تنتهي رؤيته الأولى.
العمل العميق ليس بالضرورة معقداً. قد يكون خطاً أو وجهاً أو حجراً أو مساحة شبه فارغة. لكنه لا يستهلك نفسه في اللقاء الأول.
يمكن أن نراه اليوم ثم نعود إليه بعد سنوات فنكتشف شيئاً آخر، لا لأن العمل تغير، بل لأننا نحن تغيرنا. هنا يصبح العمق علاقة
بالزمن، لا كمية من الأفكار الموضوعة داخل العمل.
وهذا ما يجعل الإبهار معياراً خطيراً. الإبهار سريع، بينما الأثر بطيء. يمكن لصورة أن تحصل على ملايين النظرات ولا تخلق لحظة
حضور واحدة، ويمكن لعمل صغير وصامت أن يدخل ذاكرة شخص واحد ولا يغادرها. الخوارزمية تقيس عدد الثواني التي توقفت فيها العين، لكنها لا تستطيع أن تقيس ما إذا كان شيء قد تغير داخل الإنسان.
الفنان ومساحة الخطر
النجاح نفسه قد يصبح قفصاً. يكتشف الفنان لغة تلقى قبولاً، فيطلب السوق المزيد منها، ويتعرف الجمهور عليها، وتصبح الهوية
البصرية أكثر ثباتاً من الأسئلة. عندها قد يبدأ الفنان في تقليد نفسه، ويتحول الأسلوب الذي وُ لد من ضرورة داخلية إلى نظام إنتاج.
وربما تكون أكثر لحظات المسيرة الفنية شجاعة هي اللحظة التي يخاطر فيها الفنان بخيانة صورته القديمة لكي يفتح منطقة
جديدة.
الفن يحتاج كذلك إلى قدر من عدم السيطرة:
خطأ لم يكن مقصوداً، فراغ كان من المفترض أن يُملأ، مادة تقاوم، أو نتيجة لا تشبه
الخطة. فالعمل العظيم ليس دائماً التنفيذ الكامل للنية؛ أحياناً هو اكتشاف شيء أفضل من النية نفسها. والهشاشة هنا ليست ضعفاً،
بل قبولاً بأن السيطرة ليست دائماً أذكى ما يحدث.
لهذا لا أريد إدانة الجمال أو السوق أو الزخرفة. الذهب يمكن أن يكون عميقاً، والخرسانة يمكن أن تكون ديكوراً. الصمت قد يكون
صادقاً أو متكلفاً، كما قد تكون الضوضاء فارغة أو ضرورية. المعيار ليس الشكل، بل ما إذا كان العمل ينتهي عند صورته، أم يفتح
وراءها زمناً وذاكرة واحتمالاً.
في النهاية، لا توجد مشكلة في أن يشد الفن انتباهنا؛ فهو يحتاج إلى العين كي يبدأ. السؤال الحقيقي يبدأ بعد ذلك: ماذا يفعل بنا
بعد أن يحصل على انتباهنا؟ هل يستهلك النظرة وينتهي، أم يحولها إلى حضور؟ هل يبقى على الحائط، أم يغادر المكان معنا؟
جذب العين ليس أصعب ما يستطيع الفن فعله. الأصعب أن يبقى منه شيء بعد أن تغادر.
محمد طلعت 2026
الناقد التشكيلي محمد طلعت
ا







