خريف مونتريال
حدائق أودعت خضرتها في خزانة الزمن للعام القادم. وأودعت معها الأنسام العليلة. وخفضت الشمس من حرارتها. والمقاعد الخشبية والمعدنية، صارت تأنس بالعائلات من الأوراق الصفراء. والأشجار حولها تهز رؤوسها، تطيب خاطرها. خرج النهر في وداع الصيف، وحقول الذرة مالت مثل خد الشمس، للإصفرار. وصارت الغيوم تنضم إلى بعضها. تدفىء سقف السماء فوقها. وأما الطيور الصائفة، فغادرت وإرتحلت. أخلت مكانها للطيور المهاجرة. واعدتنا على أن تعود مع الصيف القادم، تحمل معها أفراخها وأعشاشها. وما زال السنور على عادته، يقفز أمامنا على الأعشاب. يسمعنا خشخشتها النائمة، يهبط عليها من الشجرة العالية. فنلتفت إليه. ويتلفت نحونا. يرمقنا بعينيه. واحدة مغمضة وواحدة مفتحة. وكمشة من نثار الذاد الذي معنا…

المروج كلها، مدت حصيرتها الصفراء. وصارت ترمق الأشجار حولها. تهديها أوراق الذهب. إعتادت على هداياها، في مثل هذة الأوقات من كل عام. فكل أصفر يطير أو يحط، أو يغط، هو من صناديق الذهب. حملها خريف مونتريال، حين أتاها، بعد عبور الفصول. خف إليها، يخفف عنها.
شوارع مونتريال في الخريف، ترحل أفراح الورود والزهور. تخبئ زيناتها، خشية أن يداهمها الصقيع فجأة. فيجمد الماء في عروقها وتذبل منها تيجانها وأوراقها. والغصون التي إعتادت أن تشرئب، تعاند أن تنحني، حين تتبدل الفصول عليها. لا بأس إن عادت إلى مهاجعها، حتى تحين لها العودة، عروسا تتجدد..

الناس في مونتريال، مثل أغصان الزهور، يحسبون ألف حساب لقدوم الخريف المهيب.
يرتدون له ما يليق به من أثواب أهداها لها. إستعارت ألوانها منه: الأحمر المصفر والأسود البني. والأخضر المسود. والأبيض المغبر.
فكل أثواب مونتريال، صارت من معمل الخريف، وهو يشهق من فرحه بها . كل يوم منه، يزيدها لونا على لون. حتى الحجارة والتراب وحفافي البرك والبحيرات والأنهار، تصيح صفحتها عند قدوم الخريف، لجميع زوارها، حتى لا ينسوا، أن يأخذوا معهم معاطفهم. يدرأون بها غدر هيطل مداهم. غدر أسحم قادم: غدر غيمة سوداء مسرعة.

خريف مونتريال، أجمل فصولها على الإطلاق. جميع دروب الناس تصير إلى المروج. إلى البحيرات القريبة. إلى برك الجبل الملكي. إلى الغابات. إلى مزارع التفاح. إلى ضواحيها كلها. تقطف الغيوم بأيديها. لا يعرفون متى تأتي فرصتهم، حتى يهبوا على عجل. تطير بهم مركباتهم إلى الحدائق، يحملون معهم زاد يوم كامل بين أحضان الطبيعة. يفترشون حصرا من الحصى. من التراب المجفف. من العشب، الذي لوحته شمس الصيف، وأعطته ما في خزنتها من كراتها. أعطته ما نسجته له من سجاجيد. كل خيط فيها من عيار الذهب الخالص. تريد أن تخلص له النية.

الخريف في مونتريال، حلة كاملة مكتملة. فخر فصولها كلها. ناد عظيم، يفتح أبوابه لأهلها من الصباح حتى المساء. ويمضي بهم إلى السهرات الطويلة، حتى الفجر، في النوادي والحانات. حيث الأغاني التي تزدحم فيها، بجميع النغمات والأصوات. وحيث الشباب الدائم، على أبواب فصل، تعشقه القلوب، وتتمنى أن يطول لها ولو قليلا. يستعير بعض أيامه الزائدة، من عمر الشتاء المقبل. تعرفه من جواده الأبيض. ومن غرة سوداء، حين يهز الناصية.
خريف مونتريال عظيم عندها مثل نهر سان لوران. تشتهي أن يلتف عليها مثله. وأن تظل أيامه جارية. فأيام الخريف في مونتريال، كما أمواه سان لوران، كلاهما من كنوزها.
فيوم خريفي على ماء سان لوران، وإذا دنيا مونتريال ترقص. تمشي طوال النهار في مسارات الطبيعة القزحية، وكذا طوال الليل تساهر القمر. وحولها من الأفق والموج أحمال عظيمة، يدور بها حول مونتريال، طوال الليل والنهار. يرد عنها العين ويسحرها ويحرسها.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
الكاتب د. قصي الحسين






