قلعة أبو سليم الطبل
تحت قلعة طرابلس التاريخية، بجوار مدافن “فرسان الزعبية” وباب الحديد ونهر “أبو علي” و”السويقة” و”الجسرين” وساحة السمك وسوق الذهب وخان الصابون وطلعة الرفاعية، كانت هناك قلعة أبو سليم الطبل: فرقته الفنية.
من لا يذكر فهمان وأبو سليم وأسعد، في مطلع الستينيات، حين أعمر هذا الثلاثي المرح، تلفزيون لبنان في تلة الخياط ببيروت. أبطل صبية طرابلس عادتهم، في الصباح بالرقص في ساحة القلعة، والنوم باكرا مع جداتهم، على سماع قصة “ليلى والذئب” وحكاية ألف ليلة وليلة، وصاروا يتحلقون أمام الشاشة، يرون كيف أبدل هؤلاء الفتيان الطرابلسيون ثيابهم الحكواتية، وصاروا فرقة فنية. وصار صبية طرابلس بل صبية لبنان أجمع. تجمعهم فرقة أبو سليم الطبل أمام الشاشة التي إجتمعوا إليها في الصباح كما في المساء، مع إشراقة كل شمس ومغيبها.

كان تلفزيون لبنان فرصة أبو سليم. ينقل “البروفة” من زقاق السويقة وسوق حراج وساحة الكيال وساحة الكورة وساحة النجمة و جبل النار و ساحة التحصلدار، إلى مسرح تلفزيون لبنان. كان أهل طرابلس، يرون أنفسهم، بعد أن يعودوا من صالات السينما على البولفار، في ساحة التل. أو من قهوة التل العليا- القشلق العثماني (سابقا)، ومن المقاهي الشعبية الأخرى. يحملون معهم ربطات الخبز من أفران المير في الزاهرية، ومن فرن الجعم، في طلعة الكواع، تحت مدرسة الأمريكان والراهبات والسيدة ومستشفى الرهبان البيض/ مستشفى الزهراء الحكومي( اليوم). كانت هذة المقاهي صباحا و مساء، مجمع البلدتين الصغيرتين: القبة وأبي سمرا، وتحتهما سوق القمح وسوق البازركان. سوق مقبية، بطول ثلاثة كيلومترات وأكثر، من باب التبانة شمالا، حتى باب الرمل جنوبا. تتلألأ فيها المآذن في العشايا، وتتصأصأ فيها العربات المزينة على وقع حوافر خيولها.

وأما خانات طرابلس وحماماتها وأبراجها السبع العظيمة، وآخرها برج السباع الذي لا زال صامدا حتى الآن قرب محطة القطار في الميناء، قبالة المرفأ، وكذلك زواياها وتكاياها ومدارسها التبشيرية كلها، فكانت تعبق بزهر الليمون وزهور الزيتون: كان أبو سليم حقا، كل ذلك وأكثر.
حمل بصدره مدينته الذهبية، مدينته الشعبية. مدينته في عصرها الذهبي، عصر الرئيس شمعون، ونزل إليها كما الجبل، من أعالي جرود الضنية وعكار والقرنة السودا، ومن وادي قاديشا وجنان زغرتا وإهدن وبشري. كنت أراه صبيحة كل يوم يجالس رفاقه وأصحابه، في مقهى الكوستا في أول شارع الحمرا، ببيروت. أسلم عليه مع “الريس”، وأشعر حينذاك، كيف تغمرني طرابلس كلها، بتاريخها. بعد أن أضعناها، وأضعنا معها “القرى السبع”، والتي صارت مع الريس إسما على مسمى.

هذا هو لبنان “كف حناء” إذا ما طويته. وهو شوارع يدي أبو سليم، حين يفتحهما ليضحكنا. كنت أعجب كيف يستطيع أن يخرج طرابلس من كفيه. و يضحك لبنان كله حين يعبس. كان أبو سليم ساحر الصبية والفتية والشباب وعجائز الحارة. كان لبنان يمتلئ بطرابلس، حين يظهر أبو سليم بسرواله على الشاشة. يذهب المساء في عجقة العيد، حين يطل أبو سليم على الشاشة.
مسرح أبو سليم، هو مسرح القرية والمدينة. كيف إستطاع مثله، أن يجمع الخد والعين، على الشاشة. وأن يجعل منهما شخصية واحدة. مثل عصره على أول الدبكة. قاد فرقته، بعدما أخذ وقته في إنتخاب أعضائها. وفي بناء أدوارها. وأعطى واحدهم حقه. ظهر أبو سليم حقا، كاتب ومخرج وقائد الفرقة كلها.يحكي قصة القرية والمدينة والجبل والسهل والبحر…
ويقلقنا، كلما زادنا ضحكنا…
نقيب الممثلين نعمة بدوي مع الرئيس الفخري للنقابة صلاح تيزاني ( أبو سليم )
قلعة فنية نمت تحت أدراج قلعة طرابلس. خرج أبطالها من صخرها. أولدتهم قلعة طرابلس، كما تولد الإم أبناءها. ثم أنشأتهم تحت عينيها في حاراتها. كانوا أبطال السوق والحارات ورجال الجبال التي أتوا بأصواتهم وصياحهم من خلفها. كانوا حقا صيحة عصرها. جسدوا معاني لبنان، حين كانوا يجسدون معانيها. وحين كانوا يغيبون واحدا واحدا، كنا نشعر أن قلعة أبو سليم، تخسر كل يوم صخرة صماء من صخورها.
القلعة الفنية التي أرساها الفنان القائد أبو سليم ( أطال الله عمره ) ، تحت أدراج قلعة طرابلس، كانت “زرعة فنية”، يظل الفيء منها، يظلل المدينة كلها. يملأ الزمان والمكان من هواء لبنان.
فرقة أبو سليم تلوح بأعلامها لقائدها. و أبو سليم حقا، يلوح لنا بأحلامنا.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
الكاتب د. قصي الحسين






