التجريبية فنا
تتأسس الفلسفة التجريبية، على دراسة الواقع بما هو قطعة من الوجدان والشعور. فحين يصير الإنغماس بالواقع على أشده، تبلغ الحال بنا درجة من التحولات التي ترقى إلى الأسلوبية الرقيقة. تطلب من صاحبها أن يتمسك بها و يخلدها، حتى لا تضيع في غمار الموضوعات الضائعة.
فالتجريبية الرقيقة، هي التي تلد الأديب والشاعر والكاتب والفنان، قبل المدرسة والأكاديمية والدراسات الجامعية. تمنح صاحبها الفرصة الخاصة الأولى، قبل أن ينال حظه من الفرصة الثانية المتاحة للجميع.
تتصل التجريبية عادة بالموهبة. تتفتح بها وتندى عليها. وكلما عظمت الموهبة واتسعت، كلما وجدت في الحقول التي تمشي فيها، عددا جما من نباتاتها. وهذا ما يجعل النقاد يشيرون بالبنان، لدى الوقوف على حياة الأديب والفنان، إلى حقوله التجريبية الأولى.
أكثر ما نجد التجريبية ماثلة ومتجسدة، في أدب الناشئة. إنها الكتابات الأولى، التي شعر الناشئ أن حياته محمولة فيها. ثم سرعان ما ينقلب عليها في الفترة اللاحقة. خصوصا حين يشب عن الطوق، ويأخذ دربه فنا، على “الكروسة”.
لا تنحصر التجريبية، في موضوعة من الموضوعات. بل تنحصر عادة بالتساؤلات والأسئلة. إنها التعبيرية الأولى عن الوجدانية والمشاعر العميقة، حين ينهض المرءُ من أرض الواقع، بجبلته التي يتعفر بها. يكثر عادة من الأسئلة، ويتعلم منها فن الإجابة على كل سؤال منها. يكون في حالته هذه ، هو السائل وهو المجيب فنا، وهذه هي أول التجريبية المستنسلة.
التجريبية هي إذن فن النشأة وفن الناشئة. هي بنت السؤال على شفاه الصبية و الشباب، ثم ترقى لتصبح بنت شفاه الرحالة من اكتشاف إلى اكتشاف. بهذه المعنى، تصبح أميركا، بنت شفاه كولومبس. كما يصبح قانون الجاذبية من بنات شفاه أرخميدس، حين صرخ : “وجدتها”.
التجريبية فنا، لا تتوقف على “مرحلة عمرية”. ولا على مرحلة زمنية. وإنما تتوقف، على قوة النبوغ. وعلى النباهة. وعلى عمق العلم والدراسة و المعرفة. وأما المدارس التجريبية كلها، فإنما هي لإكتشاف القواعد ومحاكاتها. وكذلك للبناء عليها.
بحور الشعر العربي كلها، وكذلك عروضه وجوازاته، إنما هو من المدرسة التجريبية. قبل أن يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي، كلمته، ويقوننه، ويستدل منه على قوانينه، التي سرعان ما صارت للإحتذاء والسير بها بموهبة، أو بلا موهبة.
التجريبية فنا، ليست لها أفق ينشد أو يطلب أو يغنى. وإنما هي عزيف الغائب عنا، يمد يده لنا لنخرجه من البئر: بئر التجربة. لا نتحدث عن الإنسان التجريبي. ولا عن الإنسان المجرب. وإنما نتحدث عن الإنسان المفاجأ بالتجربة. تخرج عليه من ظهرانيه ومن بين يديه، وتفاجئه، حين يكون غافلا عنها. فيلتقطها كما اللقى. ويحككها ويبلورها، ويمنحها أياديه كلها. حتى تقول ما تقول ، حرة، خارج كل أسر. وخارج كل قيد. وخارج كل معنى.
التجريبية فنا، أيام غير عادية على صاحبها. هي بغنى الكوكب. وهو ذرة منها. وحين يقف عليها ليلتقطها، يجعل منها قضية. فهل جميع قضايانا التي نعيشها، كانت في البدء، تجربة فنية. سؤال يؤسس لمعان كثيرة. بذورها في القلب. وحين تصير بين يدينا، نصيح: آه ما أعظم التجربة!.
هكذا كانت بداياتنا كلها. هكذا كانت مدرستنا الواحدة. ندخل الصف، بلا صف. ونصطف. نتعلم بطريقة واحدة. نسميها المدرسة الأولى: مدرسة الخطأ والتجربة.
التجريبية فنا، هي فن صياغة الذهب من التبر. كيف يقع لنا؟. لا ندري. نعلم قانونها ونعلمه: أنها بلا قانون. ولكنها، هي عندنا وعند العالم من حولنا: الدهشة كلها. يبدأ علمنا بها، حين نقع على خيط الدهشة فيها، ونستلها…
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصي الحسين







و نجرب الحياة.نجرب ما يتيسر لنا أن نجربه فيها.كي نفهم قوانين بعض ما يجري فيها.ما نفهمه تجريبيا كان قبل فهمنا له. كان قانونا “كامنا” تكشفه تجربتنا، اكتشاف صدفة أو اكتشاف قصد مخطط.
و يبقى السؤال’التجريبي” الكبير الاخر:
هل الحياة تجربنا كما نجربها؟
سؤال نوجهه الى الحياة نفسها. و لا ندري كيف و متى و اين تجيبنا.