كتبت وزيرة البيئة في لبنان د. تمارا الزين على موقعها :
هل تساءلنا يومًا كم من المفكّرين الذين قرأناهم بوصفهم فلاسفةً وأدباء، كانوا في الحقيقة يزرعون في كلماتهم بذور الوعي البيئي قبل أن تصبح حماية الطبيعة قضيةً عالمية؟وهل أدركنا أن بعض الذين كتبوا عن الإنسان والروح والجمال، كانوا يدافعون بصمت عن علاقةٍ أكثر رحمةً وتوازنًا بين الإنسان والأرض؟وهل يمكن أن تكون تأمّلاتهم في الشجرة والجبل والنهر لم تكن مجرّد صورٍ أدبية، بل نداءً مبكرًا لحماية الحياة بكل ما فيها من جمالٍ وذاكرة؟
كان ميخائيل نعيمة واحدًا من أولئك الذين سبقوا عصرهم. لم يكن بيئيَّ الروح قبل أن تُعرَف البيئة مفهومًا فحسب، بل أحبّ الأرض كما يُحَبّ البيت الأول؛ رآها حضنًا لا موردًا، ورفيقةً لا مِلكًا، ومرآةً يرى فيها الإنسان وجهه الحقيقي. لم تكن الطبيعة عنده زينةً للمشهد، بل كائنًا حيًّا يخاطب القلب، ويعلّم الروح كيف تُصغي إلى إيقاع الحياة.
في بسكنتا، عند سفوح صنّين الشامخ، وبين سكينة الأشجار، حيث تعبق رائحة التراب بعد المطر، تشكّلت روحه كما تتشكّل القصيدة. هناك، في الشخروب، حيث اختار العزلة لا هروبًا من العالم بل اقترابًا من جوهره، وحيث كان يصغي إلى صمت الطبيعة كما يصغي إلى أعمق أسئلة الإنسان، أدرك أن الحكمة لا تُولد دائمًا في ضجيج المدن، بل قد تنبت بين صخرةٍ وشجرةٍ ونسمة هواء.
هناك، حيث يمتدّ الحور كأنه يحرس الدروب منذ قرون، ويقف السنديان شاهدًا على تعاقب الأزمنة، وتوقظ العصافير الصباح بأناشيدها، لم تكن الطبيعة مشهدًا يراه بعينيه، بل وطنًا صغيرًا يسكن قلبه، وذاكرةً لا تشيخ مهما تعاقبت السنون.
ومن منّا لا يحمل في داخله وطنًا صغيرًا يشبه عالم ناسك الشخروب، يذكّرنا بأن الإنسان ليس سيّدًا على الطبيعة، بل شريكٌ في نبضها، وجزءٌ من دورة الحياة التي لا تكتمل إلا بالانسجام معها؟
ما عبّر عنه نعيمة بحسّه الإنساني العميق، أصبح اليوم حقيقةً علميةً وضرورةً عالمية تُعرف بالاستدامة. فحماية الأرض لم تعد خيارًا، بل مسؤوليةً أخلاقية تجاه أنفسنا، وتجاه الأجيال التي تستحق أن ترث وطنًا لا تقلّ خضرته عن خضرة الذكريات التي رسمها نعيمة في كلماته.
واليوم، في زمنٍ تتسارع فيه التحديات البيئية، تعود رسالته أكثر حضورًا من أي وقتٍ مضى. تدعونا إلى أن نستعيد علاقتنا الأولى بالأرض؛ علاقةَ المحبة لا الاستغلال، والرعاية لا الاستنزاف، والامتنان لا الجحود. فالاستدامة ليست مشاريع وتقنيات فحسب، بل ثقافةُ احترامٍ للحياة، ووفاءٌ للمكان، وإيمانٌ بأن الإنسان لا يحفظ مستقبله إلا إذا حفظ الطبيعة التي منحته وجوده.
سلامٌ لروحك يا ميخائيل نعيمة، يا من علّمتنا أن حبَّ الأرض يبدأ بالإصغاء إليها، وأن الإنسان لا يكبر إلا بقدر ما يحفظ من جمالها. وسيبقى صوتك، بين جبال صنّين وأشجار بسكنتا، يذكّرنا بأن الأرض ليست ميراثًا نستهلكه، بل أمانةٌ نصونها، لنورّثها للأجيال حيّةً، خضراء، نابضةً بالحياة.
-لوحة جميلة في ساحة بسكنتا للكبير نعيمة:







