كتب فاروق غانم خداج (كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني)
في قرية صغيرة على أطراف الخريطة، حيث لا تصل الصحف إلا نادرًا ولا تُصنع الأخبار، وُلدت كلماتي الأولى. لم يكن في المكان ما يوحي بأن الحروف قد تفتح نافذة على العالم، لكن كان هناك ما يكفي دائمًا: إيمان داخلي بأن الكلمة، مهما بدت صغيرة، قادرة على أن تحفر شرخًا في جدار العزلة.
كنت أكتب في دفاتر المدرسة، وعلى هوامش الكتب القديمة، وأحيانًا على قصاصات لا تصلح إلا لحفظ أفكار لا تريد أن تُنسى. لم أكن أكتب لأحد، بل لأن الصمت كان أثقل من أن يُحتمل، ولأن داخلي كان يحتاج إلى شكل آخر من التنفس. كانت الكتابة وسيلتي لفهم العالم ومُحاورته، وللابتعاد قليلًا عن ضجيجه الذي لا يهدأ.
لم يكن الطريق ممهّدًا. لا إنترنت سريع، ولا مكتبات قريبة، ولا بيئة أدبية تفتح الأسئلة الأولى. تعلّمت الحرفة بطريقة بسيطة: أنسخ المقالات بخط يدي، أراقب الجملة كأنها كائن حي، وأتعلم الإيقاع قبل أن أفهم المعنى. ثم بدأت أرسل نصوصي إلى مجلات وصحف؛ بعضها لم يجب، وبعضها مرّ كأن شيئًا لم يكن. ومع ذلك، تعلّمت أن الصمت الخارجي لا يعني الفشل، بل يعني فقط أن النص لم يكتمل بعد في داخلي. فكنت أعود إليه بصياغة أخرى، وأستمر.
مع الوقت، فهمت أن الكتابة ليست هواية عابرة، بل طريقة لإعادة ترتيب الداخل. من لا يكتب يتآكل بصمت الزحام، ومن لا يعبّر يتلاشى دون أن يُلاحظ. وكلما كتبت أكثر، اقتربت من صوتي الحقيقي، من تلك النسخة التي لا تحتاج إلى تكلّف، بل إلى صدقٍ هادئ يسبق اللغة نفسها.
لم أعد أرى الكتابة تجربة فردية، بل مسؤولية تمتد إلى من حولي. أرى أولادي وطلابي كاحتمالات مفتوحة، لا كمتعلمين فقط. أحاول أن أزرع فكرة بسيطة: الكتابة لا تحتاج إذنًا، بل قرارًا داخليًا بأن تقول شيئًا بصدق. اللغة ليست مادة للحفظ، بل طريقة لرؤية الذات والعالم معًا. وانتظار الاعتراف قد يتحول بسهولة إلى تأجيل للحياة.
وفي زمن المنصات الرقمية، لم يعد الشاب في القرية معزولًا كما كان، لكنه لم يعد هادئًا أيضًا. أصبح وسط وفرة هائلة من الأصوات، حيث يختلط الحقيقي بالضجيج، والعميق بالعابر. الوصول أصبح سهلًا، لكن الحفاظ على الصوت أصعب من الوصول نفسه. أكتب ببطء، وأحذف أكثر مما أنشر، وأحاول أن أختبر كل جملة قبل أن أتركها للعالم. هكذا أحمي صوتي من أن يتحول إلى صدى.
ومع ذلك، لم تصبح الكتابة أسهل. ما زال الصدق هو الامتحان الأصعب. فالكثير مما يصل سريعًا يختفي سريعًا، وما يبقى هو ما كُتب وكأنه ضرورة داخلية لا خيار فيها.
أكتب اليوم لا لأثبت وجودي، بل لأن الغياب لم يعد خيارًا. أكتب لأنني لا أريد أن تُروى الحكاية كاملة من دون أن يمرّ صوتي فيها، ولو على الهامش. وفي كل مرة أنتهي من نص، أدرك أنني لا أكتب العالم كما هو، بل أكتشف الطريقة التي أستطيع أن أعيش بها داخله.
الكتابة لا تغيّر العالم، لكنها تغيّر الكاتب. وهذا يكفي، بل أكثر مما كنت أظن. وفي كل مرة أكتب، أشعر أن الصمت لم يعد فراغًا… بل صار مساحة أوسع للفهم.
الكاتب فاروق خداج






