كتب وفيق غريزي *:
… النقد الادبي لا يقل اهمية وعمقا عن النص الادبي المنقود نثرا او شعرا ، فهو ، اي النقد ، يعمل على صياغة هذا النص مجددا .
ويظهر أماكن القوة وأماكن الضعف فيه .
والحركة الادبية تزدهر وتتطور عندما تكون الحركة النقدية مرافقة لها . وكتاب الناقدة رجاء كامل شاهين ( نعيم تلحوق – دراسة في شعره ) هو عمل تناولت فيه شاعرا رؤيويا ، صوفيا، يؤمن بالانبعاث والحلولية .
…
الشاعر نعيم تلحوق
غرابة:
———
ترى الناقدة ان نعيم تلحوق هو شاعر الغرابة وانه حول الاستقراء والتعود الى غرابة نفذت إلى المألوف وإحالته جديدا مشغولا . وحطت في الشعري محولة اياه فلسفيا وفكريا وشعريا يحتدم فيه التأرجح والصراع وصولا الى الهوية الشعرية التي خطفها الصديق نعيم تلحوق وطبع عليها اسمه . بالانا الشعرية والشكل البلاغي قاد الشاعر نعيم قصائده . وتقول الناقدة : ” تلحوق شاعر الغرابة الجاذبة . أيقن ان اهمية الشعر ليست سهلة ، ونجح في حلوله الفنية والثقة بأنه اخذ بوحدة المناخ والأدوات ، بحيوية وطاقة لاشعورية ، وحد لعالمه الشعري وما يتضمنه “.
وحسب اعتقادها ، فان الصديق نعيم تلحوق نسي او تناسى احيانا ، انه حالم كسائر الرومانسيين ، تقطن في وجدانه رؤى وعواطف لا علم لاحد بها ، بالذات الحميمة . الضميرية ، المكتومة ، فيبدع بها ، ايضا ، عالما شعريا أثيريا ، فالحلم اكبر من الواقع واجمل ، وغايته بذاته ووهم السعادة فيه اعذب من يقينها . وتشير الناقدة إلى ان التكثيف عند شاعرنا ارتبط بضبط المعنى وكثرة انتشار الجمل المفردة ، الأمر الذي أدى الى كثرة وقوة الانخطاف والتكثيف اللغوي المعنوي ، فأعطى الصورة الشعرية ، لديه ، دورا مطلقا تماشت وتماسكت جنبا الى جنب مع البلاغة .
…
فضاء الشاعر نعيم تلحوق الشعري :
———
تؤكد الناقدة انه عندما بدأ تلحوق الكتابة ، ظهر وكأنه خارج من قلب المعاناة ، شديد الوعي حاد البصيرة ، تنزاح في فكره وخياله دفقات التاريخ والذكريات ، تتيقظ في وجدانه احداث امته ، يعيش ويسري الوطن في شرايينه وخلاياه . فيعلن الثورة والنضال رافعا راية الشهادة ، حاملا بيد بندقية وبالأحرى قلما ، بين أضلاعه الارض والحب ،
وصقل الشاعر موهبته وفنه بثقافات الشعوب وثقافته القومية . حتى تفلت الى عالم الحرية بانتماء جذوره بالفطرة والرؤى الحادة الهادئة ، ليصل إلى اختصار الكون عند كلمتي الارض والقومية .
والناقدة شاهين لا تدرس شعر صديقي نعيم بكامله ، بل تنتقي بعض القصائد وتشرحها وتعلق عليها بأسلوب هو أقرب الى العاطفية الوجدانية منه الى النقد العلمى – المنهجي ، وتدخل فضاءه الشعري من خلال هذه العينة من القصائد . وصولا إلى المقاطع وتقول :
” اما القصيرة فتتضمن ، التكثيف والتكامل بين اللغة والقول الشعري ، في لحظةشعرية ماكرة متصارعة مع نفسها ،ثم القبض عليها بنجاح ، اما المقاطع الطويلة فيتبعها طول التنامي الدرامي ،لذلك فان العلاقات اللغوية تتخذ شكلا آخر يحولها إلى عناصر ومنها إلى مركب منسجم في لحظة شعرية تستجيب لشرط التنامي ، فيتم القبض عليها بصبر وتأن حتى يتكامل المقطع ، بما فيه وبما يصدر عنه”.
…
جزء من كتب ومؤلفات الشاعر نعيم تلحوق
تماه:
———
ترى الناقدة رجاء شاهين عبر اهداء ” هو الأخير ” ان تلحوق تفنن في تطويعه لخدمة مشاعره وانتمائه بالتبادل بين الباطن والظاهر والجمع بينهما تحت منطقة اسم الحبيبة زوجته نرمين – الارض ،نرمين الوطن ، اي تماهي الحبيبة بالارض والوطن ، والجمع بينهما تحت مظلة نرمين ، حتى بلغ التماهي او التوحد بين الشاعر القومي وبين المرأة الارض ، حدا لا قدرة لاحد على ان يفصل بينهما . وهي تلك الرموز المطابقة في خياله والمجتمعة في قلبه ضمن حوارية داخلية ممتزجة بالنار التي تحرق كل شيء في هذا السبيل ، الشاعر هو العاشق المتيم والمعشوق ، هو الوطن والارض والمرأة ، ذلك العشق والمزاوجة الأبديان بين المرأة والأرض ، والرمز لكل منهما بالآخر ، ما هو إلا حالة فنية قابلة للنمو والاتساع .
…
عمق المعاناة :
———
الصديق نعيم تلحوق خرج من قلب ورحم المعاناة الوجودية ، يعمل على تغيير صورة الواقع القائمة عبر الكلمة الشعرية ، مؤمنا بان الشعر هو الذي سيغير العالم على غرار ما قاله الشاعر الفرنس ارثور رامبو ، وهذا ما اكدته الناقدة ، اذ رأت ان شاعرنا يستعيد واقعه الأليم الذي يقود إلى الجنون ،يستعيده في العلاقة مع المكان اي الارض والوطن ، من خلال احساسه بقرب فقدانه والرغبة في استعادته عبر جملة من التنبيهات والإشارات مع المعاناة يبثها إلى المتلقي ، لتقيم في نفسه ، فيتقاسمها .
وبالنسبة إلى الزمن فان الشاعر نعيم تلحوق يسير الزمن ويصيره روحا لما يريده من معنى . وتعرب الناقدة عن إيمانها بان شاعرنا استطاع ان يبرز مفهوم الزمن والواقع ، المتضمن اغلب المتناقضات الموجودة فيه .
وعن الصورة الشعرية عند نعيم تلحوق تجد الناقدة انه لابد للصورة الشعرية من ان تعكس تجربة إنسانية خاصة او عامة ، ومرتبطة بموقف من الحياة ، باعتماد الشاعر تلحوق على قدراته في استيعاب الموقف الذي يعالجه بصدق ، بقوة سحرية كاشفة عن ذاتها ، قادرة على الابتكار ، وتوظيف الموروث للتجربة بقدرات استلهامية وحالة انفعاليةمعتمدا على مخيلته ورؤياه الفنية والفكرية في خلق الصورة وعلى حسه المدرك للواقع الذي يعيشه ، وتقول رجاء شاهين :” لم يقرر الشاعر مسبقا شكل الصورة او أسلوب بنائها ، بل المواقف الانفعالية هي التي تفرض الصور المناسبة “.
لم تتعًمق الناقدة رجاء شاهين في عالم الشاعر تلحوق الشعري ، لتمسك بمفاتيحه الأساسية ، ولم تجد فيه إلا الانفعالات والرومانسية ، وبقيت بمنأى عن مداركها ، الأسطورة ، والرمزية ، والحلولية ، والفلسفة الوجودية في هذا النتاج ، وما اخذته على الشاعر من وجدانية وانفعال ورومانسية وقعت هي نفسها في دوائرها، فجاء نقدها عاطفيا ، إنشائيا ، وتحليلا سطحيا وهامشيا .
*( وفيق غريزي : كاتب وشاعر )
الكاتب والشاعر وفيق غريزي






