” قُرانا التي اندثرت “
للشاعر د.جودت فخر الدين
***
عَفَتِ القُرى ،
ساحاتُها ، فسماؤها.
لم يبْقَ غيرُ دخانِها .
مشَتِ الحرائق ُ حرّةً فيها .
تبخّرتِ المنازلُ والحدائقُ والحقولُ ،
تأوّهَ النبعُ الذي لم ينتبِهْ لوداعِهِ أحدٌ .
مضى أهلُ القُرى ،
وتشتتوا في كل صوبٍ ،
أغرقوا المدنَ البعيدةَ في ذهولٍ قاتمٍ .
عَفَتِ القُرى ،
ذهبت بها الحربُ التي لا تنتهي .
من قبلُ جاءتْها مراراً ،
دمّرتْها دون أن تقوى عليها ،
فاستعادتْ أهلَها .
والنبعُ غصّ بمائه حيناً ، إلى أن عاد منفجراً .
وأما الآن فالحربُ التي ذهبت بها ،
لم تُبْقِ غيرَ دخانِها .
مشَتِ الحرائقُ حرّةً فيها ،
غَزَتْ حتى مقابرَها .
تكسرتِ السماءُ ،
هوَتْ حطاماً في أزقّتِها .
تكسرتِ الدروبُ ،
ثوَتْ ركاماً في الركامِ ،
وكلُّ أُفْقٍ كان يُهدينا تحيّتَهُ
تلاشى مثلَ وهْمٍ خائبٍ .
عَفَتِ القُرى ،
ساحاتُها ، فسماؤها،
فدِماءُ أهليها الذين تشتتوا ،
فالنبعُ غصّ بمائه ، لم ينتبِهْ لوداعِهِ أحدٌ ،
فموْجُ الذكرياتِ غدا طلولاً ،
فالربى مالتْ على أسرارِ وديانٍ
غدَتْ مثلَ المقابرِ ،
تحتوي أشلاءَ ماضينا وحاضرِنا .
لعلَّ رمادَنا يصحو على صُبْحٍ ،
لعلَّ بلادَنا يوماً تعودُ ،
لعلّها ،
ولعلّنا ،
ولعلّنا …
(٢٢ / ٤ / ٢٠٢٦)
الشاعر د. جودت فخر الدين ( تصوير : يوسف رِقة )






