موسيقى لجناحي فراشة
بدأت رحلة العودة إلى القرى. إلى الكروم والحقول. الجنوب يستعيد نجومه. يستعيد صباحاته. يستعيد مساءاته. لبس الجنوب هيدبه وراح يمطر فرحا وإبتهاجا. كانت الجداول تسيل عن جانبيه. كانت الأنهار تقهقه: عادت العذوبة إلى مصباتها. تذيق الموجات عسيلاتها. فيقهقه البحر ويطلق ضحكاته. وينثر الرذاذ والأرز على الرمال . على الحصوات. تقفز النجمات والشموس وعرائس الزنبقات. وتطير الفراشات: تعزف بأجنحتها موسيقى العودة إلى مساكب الزهور والورود.
هذا هو الجنوب: مواكب من فرح ومن حزن. وموسيقى لجناحي فراشة. ترسم في الأثير خطوطا بألوان قزح. مضى الوقت. مضى الزمن. مضى العمر. غير أن الفراشات لم تغير عاداتها. تغزل الأغنيات وتنطلق. صباح مساء. هي للنشيج وللبكاء. هي للفرح بعودة الأرض لأصحابها.
موسيقى لجناحي فراشة تزور البيوت هذا الصباح. تأخذ عينات بأقدامها، من جميع الورود التي نبتت في الغياب. ما غيرت عاداتها. تعلق الأنسام بها، فترتسم الأشرعة. وترتسم المناديل الملوحة. وتبتسم الأمهات الثكالى. والأطفال الذين تعفرت وجوههم بالتراب.
كل الأمهات اللواتي بكين أكبادهن، غطت الفراشات أثوابهن. كانت تلون الأحزان. ترسم منها دروبا لعودتها. موسيقى من جناحي فراشة. موسيقى لجناحي فراشة. ويكتمل الغزل: دوائر دوائر، وشالات لمدينة نامت إلى شهدائها. لقرى بكت أغراسها. لضفتي نهر، تهدم الجسر بينهما. وصار الأهالي يطيرون مثل الفراشة.
موسيقى لجناحي فراشة، ظلت على عادتها في غياب الأهل. وحدها كانت تطير فوق الكروم. وفوق الركام. تحط على أكمام الورود والزهور وعثاكيل النخلات. وترسل منها رسائلها.
موسيقى لجناحي فراشة، حطت على باب. قبلت مسكته. قبلت قبضته. قبلت يده. ودعت صبيته للعودة إلى الدار. للرقص. للتسلق على الشبابيك. لهر النجوم بالقصبات من أعالي التلال.
موسيقى لجناحي فراشة، تذوقت طعم العسيلات من الزهرات التي نسيت نفسها على الأسوار، وهي تنتظر.
الفراشات في الجنوب، ما غيرت عاداتها. ظلت تحوم في الغياب. ترش ماء الزهر وماء الورد على الدروب. تقيس الثواني… تظل تنتظر..
موسيقى لجناحي فراشة، ما غيرت عادتها في الغياب. ترسم الأطياف على الأبواب. تسحرها، حين تحط عليها. تحرسها في الغياب.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







