ربع قرن على البيكاديللي
وهج المسرح
المسرح أو المرسح، كما كان يعرف قديما هو الذي يجسد البرهة الساخنة عادة، ويقدمها لجمهور المتفرجين، علهم يتعظون مما يرون وهم يضحكون أو يبكون.
ما خلا قوم من المسرح. كانوا يصنعونه بأعينهم لجمهور الناس. وما كان مغلقا في وجه أحد. فغايته التعليمية والتأديبية والأخلاقية، كانت سامية، إلى حد أن الناس جميعا كانوا يرون فيه وجهتهم، للنقد البناء: نقد الأشخاص والمجتمعات بأسرها وبعاداتها وبتقاليدها، فلا يند عنه أحد.

جميع الطبقات الإجتماعية، كانت تذهب إلى المسرح. وكذلك جميع صفوف الدولة. لأنه غاية تعليمية للرقي والتقدم، ولصهر الناس ببعضهم، خصوصا، حين تكون البلاد تعاني من عقد مختلفة. فيكون في المسرح حل هذة العقد.
للمسرح وهج عظيم، باهر وساحر. تحتاجه البلاد اليوم، أكثر من اليوم الذي مضى. فغياب المسرح عن وجه المدينة، يؤذن أن وضع البلاد صار صعبا وقاسيا. فهي لا تحتمل غيابه المؤقت، فكيف تكون عليه الحال، إذا ما طال الغياب، وصار التعطيل المؤقت والقسري، دائما أو شبه دائم.
كان يوما حزينا في تاريخ لبنان، وفي تاريخ بيروت، وفي تاريخ شارع الحمرا، حين أغلقت البيكاديللي أبوابها، وأطفأت أنوار المسرح.

منذ العام1975، مضت عقود وراء عقود ونحن ننتظر الإفراج عن تلك الصالة، التي كانت تمثل الزهو للعاصمة. ذبل وجهها، بعد إغلاق البيكاديللي بغياب وهج المسرح فيها. صرنا نعود إلى الذاكرة. إلى الذكريات. إلى الأرشيف. إلى المسرحيات المصورة، لنستعيد، كيف كان لبنان في عز أزماته، يبلغ الذرى.
أعيد إفتتاح مسرح البيكاديللي في التسعينيات. غير أنه سرعان ما اغلق أبوابه في آب العام 2000 ، بعد التحرير. إذ شب فيه حريق، لم تعرف أسبابه بعد.
لا أريد أن أنكأ الجراح. ولا أريد أن أعرض بأحد. غير أن وجع بيروت بغياب المسرح، جعلها تخسر معه وجهها الوهاج.

كان مسرح البيكاديللي، صخرة العروج إلى الجنة. تقف على خشباته القامات الفنية، فيعظم لبنان. ويعظم زمنه.فما من زائر إلا وكان له موضع قدم في مسرح البيكاديللي. أوبرا ومسرحيات وأفلام وتكريمات وإستقبالات. وما من فرقة فنية، إلا وإنطلقت منه. وما من فيلم سينمائي، إلا وأرتعشت وجوه ممثليه، في صالاته وفوق خشباته، وبين جدرانه. حتى باتت البيكاديللي بيت الفنانين جميعا بلا إستثناء.

خسر لبنان دوره حقا، حين خسر البيكاديللي. توقفت فيه دورة الحياة، لإنقطاع هذا المسرح البيروتي التاريخي عن دوره. وحين أعاد إتفاق الطائف للبنان وجهه، ما نسي أن يفتح أبواب البيكاديللي. لكنه سرعان ما خاب ظنه. ولهذا ربما، كان إنزواؤه. وكان تساقطه. وكانت العودة المشبوهة والمشؤومة، للعبث بلبنان مسرحا للعمليات العدوانية، بدل أن تنطلق من صالة البيكاديللي، ومن بين هياكلها وجدرانها، ومن فوق خشبات مسرحها، ورشة العودة للحياة الطبيعية، بما فيها من علم وفن وتمثيل وموسيقى. فالمسرح كان لدى الشعوب، أول مدرسة عندهم.
يعود لبنان إلينا حتما، حين تعود إليه البيكاديللي. فلا تخذلوا لبنان بالنهوض مرة أخرى. فلطالما غابت الشعوب عن دورها، ثم عادت وإستيقظت فجأة. وهذة الحرب التي نخوضها، هي أعظم تجربة.

لبنان يحتاج إلى البيكاديلي. بعد ربع قرن من حريقه في العام 2000. فلا تسقطوا وهج مسرحه من يده. أعيدوا إليه الحياة، فكفاه حزنا على أيامه. على وحدته. على شبابه. أعيدوا لبيروت مسرحها وصالاتها، حتى يشعر أن لبنان كله ينهض.
وهج المسرح في البيكاديلي، هو ما تعوزه بيروت. ما يعوزه شارع الحمرا. فحين تنطلق ورشة البيكاديللي، يكون لبنان قد خطا الخطوة الأولى لإعادة وهج المسرح الذي يحتاجه.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين






