سمارة عطوي كتابا
أنطولوجيا الثورة والمجتمع
“الإنسان… هذا الكائن الذي لا يتجاوز حجمه ذرة غبار قياسا بحجم الكون، والذي لا يجد جوابا شافها عن سؤاله الأهلي “لماذا وجدت؟”، لا ينفك يخلق مبادئ وقائد وقضايا… تحمل من عسل أسود، مذاقه مر كالحنظل، مرارة خوابي العمر…”
بين الثورة والمجتمع، أكثر من رابط. وأكثر من آصرة. لا نعرف بدقة، من يؤثر بينهما على الآخر. لكن لا نجاة للمجتمعات الهادئة والثائرة، من أن تجد أبناءها يهيمون في هذا الوادي الجاري بينهما. وحين يأتي الطوف، يختلط الحابل بالنابل، ولا نعود نميز بين أصول الآثار بينهما. ولا نستطيع أن نحصي عناصر التفاعل، ولا الأحداث الناجمة عنها. وحده القدر، هو الذي يصيب الأشخاص الناجين، ويحدد لهم هوياتهم الجانحة، نحو الغرق في القيعان، أو نحو البر على اليابسة.
سمارة محمد عطوي، واحدة من الروائيات اللواتي، إنعطفن لتسجيل وقائع الحياة في المجتمع الذي تضربه الثورة بموجها العاتي. فراحت تسجل الإحداثيات المعاشة، وتصور آثارها المتفجرة، في الزمان وفي المكان. وما كان يحدث من عتو ومن صخب ومن ثورة ومن نيران. إذ المجتمع في ظل الثورة العاتية، يجعل الأفراد كما العائلات، كما الصفوف والطبقات كلها، تحت تأثير “المايحدث” يوميا. فتذهب الروائية لتسجيل الإحداثيات ووقائعها، على أهل المجتمع ساعة بساعة.
” سمارة محمد عطوي. الخوخ البري. نلسن-2025. (380 ص.)”

تقيم الراوية حوارا جداليا متعدد العناصر. تشتبك فيه العاطفة مع المواقف الثورية. فلا يعود أبطال الرواية، يتحكمون بمصائرهم ولا بما يطمحون أو يريدون تحقيقه. فالعاطفة من جهة والموقف من جهة أخرى يتجاذبان على إيقاع العادات والتقاليد، وعلى أحداث ووقائع ما يجري في المجتمع الثائر، خصوصا في الساعات الحرجة. حيث يطغى اللامعقول، ويتسيد على الأشخاص الذين يتحركون مثل الدمى، بلا رغبة ولا إرادة.
“بيروت عام1982.
بعد إنتهاء السهرة، صعدا درج المبنى بسرعة. ولدى وصولهما إلى الطابق الرابع… حتى استأنفا الصعود بزخم أكبر إلى منزل نجمة الكائن في الطابق التاسع..”
تسجل الروائية ردات الفعل، حين تقوى الثورة وحين تضعف في المجتمع. وحين تتعرض أيضا للضربات المحسوبة أو غير المحسوبة. فتتفكك العلاقات وتنحل المودات. وترتجل المواقف. ويصير أبطال الرواية يتخبطون، فلا يعرفون في أي إتجاه هم يسلكون.
“سكبت اه عتاب كأسا. ولتخفف من حدة الارتباك… هربت بخطى سريعة إلى المطبخ…”
الكاتبة سمارة عطوي
تصور الروائية بأسلوبها الواقعي، كيف تؤثر الثورة، على مسارات الحياة كلها. فتجعل الأبطال يعانون من أزماتهم المستجدة. فتشتد الأزمات، كلما تحركت الثورة صعودا أو هبوطا. فما بالكم من دخول العنصر المعادي لها على الخط. وكيف يرخي بأثقاله عليها.
“… من المستحيل أن تفكر في زيارتي في مثل هذة الأوضاع! هل نجمة بخير؟”
هكذا نرى المسيرة الإجتماعية للناس، تدخل في أزمة العلاقات: الأزواج والأخوة والأهل والرفاق والقيادة. جميعهم تنال منهم الأزمات وإشتباكاتها المتنوعة.
“… ستبقى مغلقة، مادام هؤلاء السفلة موجودين في بيروت… هل تخلين أنني سأقدم لهم الطعام والشراب في حانتي؟ مستحيل.”
الحوارات الساخنة، تماما كما المراجعات الذاتية، تقع جميعها تحت تأثير أخبار الثورة، تقدما أو تأخرا. فكيف تكون حال العشاق وحال الأزواج وحال الأخوة والأهل، والإصبع على الزناد، لأن الثورة الجاذبة، آخذة في مقارعة العدو. وهي واقعة حتما، تحت تأثيرات مختلفة.
“أعاد قصف الرعد نجمة إلى الواقع. فأرجعت جني الذاكرة إلى فانوسه السحري…”
تتهاوى العلاقات إذن، بتهاوي الثورة. وتقوى وتشتد، حين تكون الثورة قوية ومتماسكة. وحين تكون إرادة الإنتصار أقوى.
“كان اهتمام ياسر مركزا على نغم، لذلك لم ينتبه للونا، ما أزعجها كثيرا….
نغم: منذ وفاة خطيبها وهي على هذة الحال، لا تترك لنا لحظة سعيدة، إلا وتقلبها غما…”
هكذا نرى أبطال الرواية، يغالبون اللحظات الحرجة. وهكذا نرى المواجهة مع العدو، تترك آثارها سلبا أو إيجابا على العلاقات الأهلية.
“بعد وقت وجيز، تلقى إيان إتصالا من رجل، وجرى بينهما حديث مقتضب:
أهلا… طمئني..” الروائية سمارة محمد عطوي، في روايتها الخوخ البري، تحسن تصوير الوقائع بين الثورة وأهلها، في مجتمع يعاني من الضعف، تماما كما يعاني من الأزمات. وهي كما نرى، جازمة على الجمع بين الثورة والمجتمع، في خطاب أنطولوجي حار، لأنه خطابها الداخلي الذي تمثله. فوقعت تحت تأثير الوقائع الساخنة، بين الثورة ومجتمعها، في الزمان وفي المكان اللذين حددتهما لنفسها، في بيروت وفي حانات بيروت. بل في شارع الحمرا.
“- يا ربي! رجعنا من أول وجديد… هالمرة، بحلف. خلص… التوبة؛ لازم أكتب نهاية روايتي بسرعة..”
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية








