ليالي القاووش: تراجيديا الحرية بين الجسد والروح للشاعر المربّي عبد الله شحاده
كتب فاروق غانم خداج (كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني) :
صدر كتاب ليالي القاووش لعبد الله شحاده عن منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء في 2022، وهو عمل فريد يمزج بين السيرة الذاتية والتأمل الفلسفي، ويقدّم قراءة معمّقة لتجربة السجن السياسي في لبنان خلال خمسينيات القرن العشرين. الكتاب لا يقتصر على توثيق أحداث اعتقال الشاعر، بل يغوص في تجربة الإنسان المتمرد على الظلم والقيود الاجتماعية والسياسية المفروضة من قبل السلطة والنفوذ.

سيرة عبد الله شحاده: الشاعر المربّي والمثقف الناشط
وُلِد شحاده في بلدة كوسبا شمال لبنان عام 1910، وتلقّى علومه الأولى في المدارس الوطنية، ثم أكمل دراسته الثانوية في كلية التربية بطرابلس. لاحقًا حصل على دبلوم دراسات شرقية في تاريخ الأدب العربي الكلاسيكي وحضارة الشرق الأدنى من جامعة القديس يوسف في بيروت، وتابع تحصيله الأكاديمي حتى نال الدكتوراه والبروفسوراة في الآداب العربية من جامعة سانت أندروز الكنسية في بريطانيا.
لم يكن شحادة شاعرًا معزولًا عن المجتمع، بل كان مربّيًا ومثقفًا ناشطًا، أدار مدارس عدة في مناطق لبنانية مختلفة، وأحيا الاحتفالات الأدبية والاجتماعية. نشر نصوصه في صحف ومجلات مثل المستقبل والرقيب وصدى الشمال، مؤكدًا على الكلمة كأداة للتغيير والتثقيف، وعلى دور المثقف في مقاومة القمع الاجتماعي والسياسي.
قاووش: تجربة الإنسان والمكان
في ليالي القاووش، تتجلى تجربة شحاده داخل سجن قاووش، ليس كسرد تاريخي فحسب، بل كتجربة فلسفية وإنسانية متكاملة.
يوضح الشاعر العلاقة بين الجسد والروح، حين يقول:
“فجسد الشاعر لا يتحمّل كروحه الجبّارة مثل هذه الأعباء الثقيلة.”
هذا القول يكشف ثنائية الإنسان: جسده مقيد ومؤلم، وروحه حرة ومتمردة لا تقبل الانصياع للظلم. الكتاب يعبر عن مأساة الحرية الممزوجة بالعبودية الاجتماعية والسياسية، ويؤكد أن المعاناة تتجاوز الجسد لتصل إلى عمق الفكر والوجدان.
شحاده يصف الوحشة والانفصال عن الواقع، لكنه يستخدم هذه العزلة لاستكشاف النفس، محوّلًا تجربة السجن إلى رحلة معرفية وفكرية. السرد يجمع بين التوثيق اليومي لتفاصيل الاعتقال—كالضرب، شبه الطعام، والنوم المزري—وتأملات فلسفية حول العدل والحرية والإنسانية. بذلك، يتحول الكتاب من مجرد مذكرات إلى مانيفست فلسفي وأدبي يعكس صراع الإنسان مع السلطة والظلم.
المرأة والفلسفة: حضور رمزي
من أبرز عناصر الكتاب حضور المرأة كرمز فلسفي، ممثلةً بـ”أنيكيوس مانليوس سيفيرينوس بوئثيوس” المستوحى من الفلسفة الكلاسيكية. المرأة في هذا السياق ليست مجرد شخصية، بل رمز للحكمة والروح الحرة التي ترافق الشاعر قبل وأثناء وبعد السجن.
هذه العلاقة تكشف تصوّر شحادة للكينونة الإنسانية: الجسد محدود، والروح متحررة، والتمرد الحقيقي يبدأ في الداخل قبل أن يتحقق خارجيًا. وبذلك يربط الكاتب بين البعد الفردي للحرية والبعد الفلسفي للوجود الإنساني.
لغة الكتاب والأسلوب الشعري
لغة شحاده في ليالي القاووش تجمع بين الشعرية والتحليل، فهو يعتمد على الأسلوب الكلاسيكي العمودي مع تنويعات في البحر والتفعيلة، مستخدمًا السرد المنثور لربط الشعر بالحياة اليومية في السجن.
المزج بين الشعر والنثر التأملي يمنح القارئ تجربة وجدانية ومعرفية في آن واحد، ويقربه من الداخل النفسي للشاعر.
ميراي شحادة: حفظ الإرث وبناء الجسور
بعد وفاة عبد الله شحاده ، قامت ابنته ميراي شحاده بجمع مخطوطاته وتحقيق نصوصه، وأصدرت المجموعة الكاملة في خمسة أجزاء مع تمهيد غني بالمراجع والصور والفهارس.
هذا العمل لم يكن مجرد توثيق، بل حفظ للذاكرة الثقافية والفكرية اللبنانية، وربط بين الماضي والحاضر، وبين إرث الأب والأجيال الجديدة.
المهندسة والشاعرة ميراي شحاده
يعكس عمل ميراي شحاده كيف يمكن للابنة أن تكون حارسة التراث وبانية جسور للأمل والفكر.
البعد الاجتماعي والسياسي
ليالي القاووش ليس مجرد كتاب فردي عن المعاناة، بل وثيقة اجتماعية وسياسية. يعكس واقع لبنان في خمسينيات القرن الماضي، ويُظهر كيف يمكن للسلطة أن تفرض قيودها على الفرد، وكيف يواجه المثقف والإنسان الحر هذه القيود بالكلمة والفكر.
النص يسلط الضوء على القهر والوشاية والتعسف، لكنه في الوقت نفسه يؤكد قدرة الإنسان على الصمود والتمرد الداخلي.
وبينما يعكس الكتاب الصراع الداخلي للإنسان مع الظلم، نجد أثرًا واضحًا في المجتمع اللبناني من خلال دور المثقف وصموده أمام القهر.
الحرية كموضوع مركزي
أحد أهم أبعاد الكتاب هو مفهوم الحرية. شحاده لا يعالج الحرية كمفهوم مجرد، بل كمعاناة مستمرة وصراع دائم للروح والجسد، يظهر من خلال مواجهة قيود السجن مع رغبة الروح في التحرر.
الكتاب يقدم الحرية كقيمة أخلاقية وفكرية، لا تُفرض، بل تُكتسب عبر التفكير، الكلمة، والمقاومة الداخلية.
إرث خالد
ليالي القاووش أكثر من مجرد كتاب؛ إنه شهادة روحانية وفكرية على تجربة الإنسان في مواجهة الظلم، وعلى قدرة الكلمة أن تكون سلاحًا وحريةً وأملًا. استطاع عبد الله شحادة، الشاعر المربّي، أن يحوّل الألم إلى فلسفة، والسجن إلى منبر للفكر، والكتابة إلى جسور بين الماضي والحاضر.
يبقى كتابه منارة للأجيال، وجسرًا بين الجسد والروح، بين الألم والأمل، وبين التراب والنجوم. إرثه اليوم مستمر، ليس فقط عبر نصوصه، بل أيضًا من خلال المنتدى الثقافي الذي أسسته ابنته، ليكون حاضنة للإبداع، وحامية للتراث، ومصدر إلهام لكل من يسعى إلى الحرية بالكلمة والفكر.
الكاتب فاروق خدّاج







