التخييل والتجريد
في ديوان” ضجيج الأخيلة”
للشاعرة التونسية زهرة النابلي تابت
بقلم : هدى الهرمي
( تونس )
إن الشعر هو التعبير عن الخيال. في سياق هذه الشهادة عن الشاعر التونسي أو “شاعر الخضراء” أبو القاسم الشابي، نلج في عوالم شعرية تنفلت من الواقع وتنحاز إلى التخييل كعنصر أساسي في توليد شتّى الصور والأفكار، بغرض استكشاف المعنى الآخر للعالم والأشياء. فيغدو الشعر مثل ارتجافة خارقة، تحرّره من القيود، لتشكيل منظور الشعور والمُتخيّل، للوصول الى المعنى العميق والحيّز اللغوي المتّسع، فالانعتاق من الجمود والصمت من خلال الضجيج الذي يُعزّز الابداع، بحثا عن سُبل أرحب وأعمق للنص الأدبي.

واللافت في ديوان ” ضجيج الأخيلة ” للشاعرة زهرة النابلي تابت، الصادر حديثا عن دار الفردوس بتونس 2025، هي العلاقة الوطيدة بين اللغة الشعرية والخيال الواسع، حيث يتبين ان المنجر النصيّ مرتبط بعدّة حواس متداخلة ومرتبطة بضجيج الحياة، وصخب الذات. لا سيما أنّ تلك المدركات الحسيّة الساطعة تُلقي بظلالها على مخزون التصورات في أغلب النصوص، لتوظيفها في التقنية الكتابية التي تستوجبها بنية الشعر بحدّ ذاته.
اذ تتّسم بنبرة إنسانية تجمع بين البوح والتجّلي الداخلي، لتتوالد الصور المصطخبة من رحم الصمت المعتّق بالوجع والحنين، أو الصوت المؤنّث القابع في لغة شفّافة تتأرجح بين الظلال المتشظيّة في الحضور والغياب، بنثريّة لا مثيل
لها. وكأنّ الشاعرة كائنٌ حرّ منذور لهشاشة تنبثق منها ملحمة الذات الخارقة. ومثاله قول الشاعرة :
دغال أخيلة في رأسي
يمتدّ لها ضجيجُ الحروف…
هناك تقبع ملحمةُ الرياح
ويسري حفيفُ الأسئلة
سؤال يجرُّ سؤالا
يعزفُ على وتري
موّالُ حزن…
أمرُّ على ظلّي بلا التفات
فتأخذني الظلالُ إلى الديار…
أهيم بالمحال
وفي رحم صمتي
ضجيج يتخبّط…
ولقد تبلور الخيال كمرتكز أساسي تـعوّل عليه الشاعرة وتنطلق منه، لتشكيل خطابها في بُعديْه الذاتي والتصويري أو البوح والتجريد، بقدر بناء شعرية التخييل في نصوص تنهض من ركام الذاكرة الملتبسة بالأنا الشخصية، أو بالأحرى تنازع النفس مع الوجود المتشابك بالحياة، بدءا بالطفولة، الجذور العائلية، الحب، الوطن…الخ من المؤشّرات التي تكشف عن
حساسيّة اللغة وخصوصيّة الهوية الشعرية لزهرة نابلي تابت. ومثاله قولها :
وطني…
لماذا يحلو لك النسيانُ
ولا الآلي بما كنّا و ما كان؟
أفتقدك …
وكأنك تطلُّ حزينًا
تنبشُ ذاكرتي
تصرخُ من فجواتِ الصمت
ثم تعود إلى رمادِ الحلم…(ص94)
لكن سرعان ما تُلبس نصّها بالمجاز والتخييل والترميز، لتنتقل من الإحالة المرجعية المتعالقة بالذاكرة إلى نثر فنيّ منفتح على عوالم جمالية موازية، تستجلي الثيمات المُعبّرة عن شواغل التجربة الإنسانية والوجودية.
في هذا السياق يقول توفيق الحكيم ” الخيال ليل الحياة الجميل، هو حضننا وملاذنا من قسوة النهار الطويل. إن عالم الواقع لا يكفي وحده لحياة البشر، إنه أضيق من أن يتّسع لحياة إنسانية كاملة”.
وفي ربط المكونات الفنية بأبعادها الدلالية والجمالية، فقد انصبت أساسا حول التآلف بين الرمز والمعنى والتدفق اللانهائي لصور شعرية مبنية على مقومات باطنية، مثل الشعور والإحساس وشتى الانفعالات، واخرى ظاهرية مثل الوعي والادراك والتحرر، ومثال ذلك في قول الشاعرة :
الزمن
نذهبُ منه إليه،
نرتدُّ…نعيدُ المسار
دون تردُّدٍ نلجأُ للمغامرة
بحثا عن ما يخفيه عنا…
نبكي منه عليه
ونبتسمُ له..
رفيقُ الدربِ والوجع
دهشةُ فرح عابرة…
لا مفرَّ منه ولامناص
كلُّ تفاصيله تضجُّ بنا
أمسه…حاضره
غده..
هو “الأنا” القابعةُ
بين دروب المجهول..
هو غفوتي ويقظتي
ولا مبالاتي ص(76)
الشاعرة زهرة النابلي تابت
ومن منطلق توسيع قدرة المعجم اللغوي الشعري على استنطاق المفاهيم المجردة والتعبير عنها، على غرار باقة من الأفكار والمبادئ، التي تمرّرها الشاعرة كرموز أغلب الوقت من خلال الكلمات، فتمنحها مشروعية إنشاء نصّ مكلل بايقاع
الكثافة والاستعارة وايضا ذو سيرورة عاطفية وفكرية ووجدانية، لكنها لا تخلو من الاسلوب الفريد في صياغة قصيدة نثر ذات طابع وجودي، وما يعتريها من مساءلات من أجل اكتشاف المعنى الآخر للعالم والكشف عن الانسان. وها هي ذا تقول في قصيدة ” أجساد الغربة” :
خيالات تتسابق في مهبّ الضجيج
لا تجيد الغوصَ في خضم المجهول
لم تعد ترى في الأفق
إلا ظلالاً مُنحنِية
تنحدرُ على جليدٍ مجهول
تخشى عثراتِ الوصول
ضميرُ الأرض منفصل
مفعمٌ بالذنوبِ والندوب
ككاهنٍ أصم
من أشباه إبليس (ص72)
إن القراءة المتأنّية لمختلف النصوص، تكشف اشتغال الشاعرة على تفكيك النسق الزمني للقصيدة عبر جُمل نثريّة قصيرة ومتقطّعة احيانا، كما يبرز الإيقاع الداخلي المتماهي مع الشعور، فيكتسي أهميته كعملية “تنفس الذات” في لحظة انخطاف واشتباك مع القلق، ليغدو الخطاب الشعري مرتع مونولوج غير مباشر في اجتراح الصور التي تكشف عن شتى العوالم الداخلية من مشاعر الحلم والوجع والدهشة والخوف…الخ. تقول النابلي :
ها هي الحياةُ
تتسابق على بقايا حلمها
وكلّي ينسلُّ مني
يمدُّ جناحهُ
لدهشةٍ من نور
ليُدثّر بؤرةَ العتمة…(ص120)
قنديل وحيد
يلاحق بصيصَ أشواق منسيَّةٍ
لليلٍ حزين
بقايا رمادٍ
من نارٍ خامدة
مطرٌ حزين
يُوقد أحلاماً بعيدة…(ص124)
خاتمة:
إن قيمة التجربة الشعرية لزهرة النابلي تابت لا تنحصر في قدرتها على توليد نصوص نثرية يفرضها صُنّوها الإبداعي الذي ينطوي على كثير من الخصائص والتمظهرات من خلال اللغة والتقنية والاسلوب، بل بفضل التداخل بين صوتها العميق ومقدرتها في إنشاء عوالم شعرية مبتكرة، ممّا يُرسّخ
حضورها كشاعرة رصينة، يلازمها الحسّ الانساني لالتقاط الذات من بؤر داخلية، كضرورة لاستغوار بواطنها الهشّة، فالانتقال إلى أخرى خارجية عبر الأسئلة الوجودية، بما يرافق ذلك من ضجيج، دون فوضى أو إنفلات لغوي، بل باعتباره صدًى عميقًا لوعي مأزوم، يفضي بالشاعرة إلى تفكيك الصمت، لتتسلّل إلى مُعترك الأخيلة وتنسج منظورها الذاتي للعالم، عبر تشكيل خطاب شعريّ من تخوم الذاكرة والحواسّ والكينونة، كفعل مقاومة للزمن والتلف و”منفذٍ للكلمة الأصيلة” على حدّ تعبير الشاعر اليوناني صاحب “البساطة الخادعة” يانيس ريتسوس.
الكاتبة والناقدة هدى الهرمي







