مغارة جعيتا
كنت في سن الثانية عشرة، العام-1960، حين إنطلقت بنا “بوسطة” العم أبو جورج، تقل تلاميذ مدرستين: مشتى حسن وشدرا، في نزهة مدرسية مشتركة، إلى مغارة جعيتا لزيارتها، قبل إختتام العام الدراسي. كان ذلك في أوائل شهر أيار. وكان الطقس ربيعيا بإمتياز. خرجت الحافلة تتهادى بنا، على صوت فيروز. بين كروم العنب والزيتون وحقول القمح، وبين جنائن الليمون والموز، على طول الساحل المترامي، بين عكار وطرابلس والبترون وجبيل وكسروان.
كنت في ذلك الوقت من عمري المدرسي المبكر، أذوق أولى المشاركات المدرسية، وأتذوق عذوبتها، في رحلات مدرسية إلى مناطق لبنانية، تصنف على أنها من المتاحف الطبيعية.
كان الإختيار التربوي رائعا. نزل الأطفال من البوسطة، في باحة الإستقبال التي أعدت للسيارات والحافلات في باحة مغارة جعيتا الأمامية. وتقدم مدير المدرسة، وكذلك كل من الناظر والسائق إلى مكتب الإستقبال. قدموا الإجازة الرسمية، ممهورة من وزارتي التربية والسياحة. ودخل الأطفال الصغار مثل زهور الربيع. وبأيديهم الأعلام اللبنانية. تمهلنا على باب المغارة قليلا، لإنشاد النشيد الوطني. ثم ولجنا في أعماقها، بكل خفر ومهابة وإجلال، ملتزمين بالتوجيهات الصارمة:
السكينة والهدوء. وممنوع التحدث والكلام. ولو كانت مثل ثرثرة الينابيع عذوبة، وثرثرات الأطفال.
لا تزال تلك الزيارة إلى مغارة جعيتا، تحفر في خاطري، وفي أعماقي. تذوقنا صغارا معا: درسا في الوطنية. وفي حب وإجلال لبنان. كان كل شيء في المغارة آثرا. الجدران والهياكل والسقائف:
لوحات أخاذة، تشهد على كون لبنان، منذ قديم الزمان، بكل إختصار.
في اليوم المدرسي التالي، وقف بيننا مدير المدرسة في الملعب، قبل الدخول إلى الصفوف. أدينا معا تحية رفع العلم. أنشدنا معا النشيد الوطني اللبناني كالمعتاد. إستمهلنا دقائق، ليشرح لنا معنى زيارة مغارة جعيتا، وما تمثله في قرارة نفوس اللبنانيين من عمق تاريخي ومن عمق جمالي. ومن عمق طبيعي. ومن عمق تعليمي وتربوي ووجداني. ختم على مسامعنا وقلوبنا بالقول:
مغارة جعيتا، ماض تكويني جيولوجي أركولوجي للبنان، عمره ملايين السنين. وحاضر طبيعي، شاهد على جماله. وشاهد أيضا وأيضا، على صلابته في الوعد، بأنه لن ينكسر. ختم حازما جازما:
هذا هو لبنان!
إستغلال لبنان/ جعيتا، وصخرة الروشة وغابات الأرز وقصر بيت الدين وقلعة بعلبك، والمتحف الوطني. إستغلالها… لأغراض فئوية وشخصية، يمس عمقا رائعا في نفوسنا بأذى جسيم. ولهذا كانت الدولة اللبنانية واعية منذ تأسيس الكيان اللبناني، لخطورة العبث بها، لأغراض خصوصية. نظمت لها مجالس إدارة. وأوثقتها بالوزارات المعنية وبالسراي الحكومي، والقصر الجمهوري، من فرط الخشية عليها من النفوس الضعيفة، كأن تسرق حفلا فيها، أو أن تسطو عليها.
السطو على مغارة جعيتا أمس، وسرقة حفل فيها، مس جميع اللبنانيين. أشعل النار في هويتهم الوطنية. فضح الزيف والتزييف. وفضح الخساسة في النفوس. فضح عنف الإبتزاز الشخصي الذي يعشش في النفوس الحقيرة.
السطو على مغارة جعيتا وسرقة حفل شخصي تحت أسقفها، وفوق مياهها السحرية والمسحورة، وبين جدرانها الدهرية الكيانية المسكونة، هزت اللبنانيين من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وأضافت إلى التلال المسروقة تلة جديدة، إسمها “تلة جعيتا”.
سأترك لأهالي بيئة جعيتا، يبكون عمق فجيعتهم التي نكبوا بها البارحة. سأترك للعلماء تقدير النكبة التي لحقت بمغارة جعيتا. تقدير الخسائر التي منيت بها مغارة جعيتا. سأدع الإقتصاديين والجامعيين والتربويين والرسميين والسياسيين، يقدرون على مهل، حجم الخسارة التي مني بها لبنان. وحجم الإساءة التي مني بها لبنان الطبيعي والوطني. جراء الأذى المقصود الذي لحق بمغارة جعيتا، كمال منهوب. بل كجمال مسروق. بل كتاريخ مسلوب، يفوق الجرائم السليبة، في أنهر لبنان وفي غاباته وفي جباله وفي طرقاته، وفي ينابيعه وفي حقوله وفي حدوده. و حتى في وديانه وشطآنه ورماله، وسكك الحديد، ومحطات القطار التاريخية المنكوبة.
الإساءة إلى جعيتا. وإلى مغارة جعيتا، تفترض من الدولة أن تقوم بواجباتها، وتحيل جميع الذين نظموا الحفل، بإعتبارهم مشاركين في جناية عظمى. تسوق المنظمين أمام قصور العدل، لتنزل بهم أشد العقاب. لتغرمهم بأقسى العمولات والضرائب والغرامات، بإعتبارهم أساؤوا الأمانة وأهانوا الكرامة الوطنية، وإختلسوا المال العام.
الإعتداء أمس، على مغارة جعيتا، إعتداء غير معتاد على كرامة عمق روحي لبناني، عمره ملايين السنين.
فمن لا يحفظ كرامة الممتلكات الوطنية، ولا يرعوي عن إهانتها وتدنيسها والإستهتار الأرعن بها، كيف به أملا:
يجسد إرادة اللبنانيين، وطموحهم، بأن يكون لبنان نظيفا من المدنسين والفاسدين والرعناء المتهورين!
يكون نظيفا من السراق، وأصحاب الباع الطولى في السطو على أعماق لبنان الضاربة في ملايين السنين.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيٍ الحسين







