ماجدة
خلعت ساعة الوقت ومشت كعادتها على عجل. هذة المرة لم تستعجل الوصول إلينا. إستعجلت المغادرة. هل نتصور شمعة إنطفأت فجأة بجانبنا في الغرفة الثانية. هذة هي ماجدة. جاءت شمعة عجلى تتفقدنا في “ملتقى خيرات الزين”.وعادت من حيث أتت لتنطفئ بين الأهل في النبطية، مثل إغماضة فجر، داهمته غيمة سوداء شديدة الحلكة، في الهزيع الأخير من ليلها.
مثل شمعة نحيلة، كانت ماجدة. تتراقص مثلها. تقهقه مثلها. تقف. تجلس. تنهض. تدور في زوايا الملتقى مثل رقاص ساعة. تنظر في شخوص الملتقى. تحيي من يعجبها وتسلم عليه بحرارة بالغة. وتدير كتفها لمن تستثقل. لا تستهضم الحديث معه. ربما بخلت عليه بالتحية. ترد على اليد البخيلة. تماما كما تهوى. ربما من شفة يبست التحية عليها. فلا ترشح بها. ولا تنطقها. كأنها كانت لا تريد أن تضيع خفة دمها ولا عذوبة “الهضمنة”، سدى بيننا.
الراحلة ماجدة خلال أمسية في ملتقى خيرات الزين الثقافي في بيروت ( تصوير يوسف رقة )
تراها لا تهدأ أبدا، كأنها من ذيل عاصفة تسحب أذيالها. تدور على أهل الملتقى. ترمي على طاولاتهم قلبها الأبيض. تضحك الطاولات لها حين تسيل الفناجين، مثل دموع القهوة، وترسم الرشفات على جنباتها. ليس هذا دمعها الحبيس. بل فائض حبة القلب: صباح من النبطية، أتى باكرا. من سوق كربلائية تجيد الحزن. تجيد أن تدق على الصدر. وآهات حرى، توالت بين عيني ماجدة. شمعة على خدها دمعة. تنزل في فناجين قهوتنا، حين تدور بأحاديثها علينا. تقهقه الفناجين قبل أن تصل الضحكات. تطرب الأكف الجامدة: هي عفوية ماجدة. فيها رائحة الطيون. ووخز حمل من البلان. وشميم الأرغف الساخنة تحت إبطها. وغبار الطريق اللاهثة. تهدمت بين الدكاكين الحزينة، حين غادرها الأهل. تراكمت فوق بعضها، دفعة واحدة.
صيغة ماجدة: قلبها واحد، وأحاديثها شتى. تعد أوراق الفصول وبلاطات الأرصفة. ثم تنتحي. تتكوكب مثل جمرة. مثل مجمر. كنا نعرف ذلك من شعلة نحيلة تشتعل في ثوبها.
شعلة هي ماجدة أم شمعة، أم مشعل. أم شهاب ضوء إختفى؟
…بعد يومين: لا أقل. لا أكثر. تكاثرت الأسئلة…
ما هذة النسمة الصباحية التي غادرتنا على عجل. لا زال ظلها على جدران الملتقى. على المقاعد. على الطاولات. في أكواب الريقات. وفي عذوبة الحكايات التي فتحتها. كانت الجدران بكل آذانها العميقة في الطين، تصغي لهمسها.
تهمس ماجدة، حين تقترب. ثم، ها هي تدير ظهرها لنا. تقهقه الجدران كلها. حتى الأعمدة تشققت من صدى ضحكاتها حزنا عليها. وإنبسطت أرض الملتقى:- ملتقى خيرات الزين-. لأن ماجدة عطست كزنبقة، على حين غرة. طارت السنونوات بيننا، وحطت على الجباه والجفون اليابسة. وأخضوضلت أيد تعرقت منذ أول دهرها، فجأة. جرت فيها الجداول والينابيع. وأنبتت في جميع الوجوه مساكب “الجوري”، أتت به من سوق النبطية لتوها.
إختفت ماجدة بيننا. وكلما مر محياها على جدران الملتقى، نهضنا إليها.
هذة المرة رأيناها، ترش ماء الزهر وماء الورد وحبات الأرز. تنهض بإطباق المعمول وكعك العباس. تصفف على جنباته، أكاليل. أكاليل. حزينة وضاحكة.
ماجدة تخفت عنا في النبطية. في السوق الكربلائية، هذة المرة. إستوت هناك علينا، مثل شمعة نحيلة . إتكأت على جنبها. زينت خدها بدموعها. نناديها. تعالي ماجدة!
يعود الصدى صوتا، بلا ماجدة!
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د.قصيّ الحسين خلال أمسية في ملتقى خيرات الثقافي في بيروت







