مزدحم الأرجل والأفكار
ضاقت السوق بي. لم تعد تتسع لقدومي. لم تعد تتسع لأقدامي. كلما جئتها راجيا كلمة ترحاب، وجدت أن الكثيرين سبقوني بالمهمة. إختطفوا السوق مني. والشوارع الضيقة. والتحيات للمارة. وأبواب المحال والمتاجر، لم تعد تتسع لمنكبي. الزحام فيها يزحمني. أشعر بضآلتي فيها. أمنح فرصتي لأفواج الزبائن القادمين من البلدان الأخرى. تبدو المشرب حتى وصلوا إليها. وليس لهم من فرصة إلا بعض هنيهة أو ساعة. ثم يصعدون إلى الحافلة.
أبواب المتاجر والمحال، صار لها من الذكاء الصناعي، ما يفضحني، وأنا أدخل إليها مثل مكوك الخياطة. مثل الخيط الدقيق في العروة الضيقة. ملت مني ومن غلاظتي عليها. أعترف في غيابها، أنني ضايقتها كثيرا. غير أن حشريتي الزائدة، وفراغي من الخلان والأصحاب والأصدقاء. وفراغي أيضا من الأهل ومن أفراد العائلة، لمما يدفعني إلى أبوابها، حتى أحشر فيها، لأني لا أحب قضاء وقتي مفردا بصيغة الجمع. كم كنت أحب أن أمر بها. وأن أدخل أبوابها جمهرة طويلة عريضة، مثل رصيف مقهى، يسير في جنبي، وأنا أعبر شارع مدينة، قطعت شوطا من عمري الطويل فيها.
لست في أزمة حقيقية أبدا. ولكني في أزمة إحساس، بضجر المدينة مني، لكثرة تكرارها في عيوني، صباح مساء، شارعا شارعا. وسوقا سوقا. ورصيفا رصيفا وبابا وجانبا وناحية وحديقة، ومقعدا أعد للإستراحة. أعبره بغلاظة كبدي. أرمقه. أتعالى عليه. وأرفض دعوته للإستراحة، لأنني ما تعودت أن أكون طفيليا على مقعد، خصص لغيري من المارة.
المدينة مزدحمة بي. ومع ذلك، أشعر أن هناك متسعا من الوقت لقضاء عطلة الربيع. عطلة الصيف. عطلة الخريف. عطلة الشتاء. أشعر أن هناك متسعا من الوقت لتجديد العطلة، تماما كما تجدد أيام الزيارة.
المدينة غير معنية بضجري. وأنا غير معني بتضجري منها. أقطع وقتي كله، كما عجلات الدراجة الهوائية، ذهابا وإيابا، بلا ضجة. بلا نفقة. ألاعب النسمات بجبهتي، وأغامز بلاطات الرصيف والإشارة الضوئية. إعتدت أن أقف عندها، عندما تضوئ الأحمر. وأن أتهيأ للأصفر. وأمشي، حين يخضوضل عمودها، وتخضر بسمتها.
أمشي ولا أتعب من المشي الطويل، لأنها مشيتي. أقدر وظيفة المشي التي أخترتها، على رصيف المدينة. كلما سقط قلبي عليه، أنحني وألمه بمنديل مقهى كنت أتمرن فيه، على مكابدة تعب الكتابة.
لا شيء عندي بلا أهمية. ربما قادني شغفي لأدبج كلمة عن الطاولة التي إتسعت لأفكاري. كنت أراها بعيني، كيف تسقط عليها. أنسج من أبجديتي معطفا لها. أكسوها، حين يشتد الصقيع بي. وحين يدمع عظمي لها. ربما قادني شغفي، لأكتب عن المقعد الذي حملني كل هذا العمر. أثقله بي. وأعرف أني أتثاقل عليه. وشأنه: أنه يستضيفني، كلما نزلت ضيفا عليه.
تتزاحم الأفكار في خاطري، تماما مثلما تزدحم الأرجل في شوارع المدينة. أتعثر أحيانا بها، تماما مثلما أتعثر بصاحبي: مضى زمن طويل به. آخذها من أذيالها إلى شاشتي، “أخذ الغريم بذيل ثوب المعسر”. أقفز إلى لافتة. أتهجاها، كما طفل، يتهجى ثدي أمه. أريد أن أعجمها وأمضغ معناها. فهي تليق بي: مقهى رشيق على رصيف غربتي. حلا في عيني. قلت: لو يستضيفني، ريثما تنزل الأفكار من حافلة رأسي. ثم سرعان ما ينزل الوافدون من بابها واحدا واحدة. وربما واحدة واحدة. بنات أفكاري، لا تتسرع في النزول من حافلة راسي. تنزل أولا من حافة القلب بريئة، ثم تمضي إلى سوقها.
ما أتعب سوق الأفكار، لطفل الكتابة. يريد أن يأخذ الرجال من ربطات عنقهم، ويمرغ أنوفهم بالوحل. يريد أن يسألهم عن الكنوز التي سرقوها، وعن دموع أطفال الجوع التي سفحوها. وعن المقابر الجماعية التي أمروا بإعدادها للخدج، في جنبات المشافي، بعد قصفها وإحراقها بمن فيها.
أريد أن أسأل شالات الحرير عن السيدات اللواتي جئن للمفاوضات وللتفاهمات. وللمقاولات. في بعثة رسمية.
رأسي إنقلب سوقا للأرجل. وصرت أرى في السوق مزدحما لأفكاري. ما عدت أميز بين أرجلي وأفكاري. أنا حافلة مهجورة من المئوية الآفلة. تسير مجتمعاتي التي إكتنفتني سحابة عمري، بين دقات قلبي المزدحم برؤوس أفكاري. وبين مسامير الأرصفة التي عبرتني على مهل. وكلما سرت شوطا أو بعض شوط، تساقط زمني محرجا بي. أحمل على كتفي، عبء جثة، من عام النكبة، إلى عام النكبة. وأسير بها شرقا. وإنها لتشرق بي كلما تذكرتها.
مزدحم الأرجل والأفكار طريق محفوفة بالغضب. مليئة بالقصص. كل قصة، ديوان شعر . وديوانية طويلة من ألف ليلة وليلة. هلا تعثرت قليلا في الكتابة. إنها لمجرد لعثمة…
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







