النزول عن الشجرة
كيف يمكن للإنسان أن يكون أكثر واقعية. يمشي بين الناس، دون أن يشعر بالتحليق عاليا. قدماه على الأرض. يتحسس بهما الأديم الذي طوى الأجيال. كلما مشى خطوة أو خطوتين، سعى إلى معرفة أحوال الطقس. لا أعني هنا بتاتا الهواء ولا الشمس. وإنما الناس الذين حوله. وأنه هو واحد منهم. وأنه معهم يكمل الدرس: لا شيء في الحياة، يستحقه أكثر من غيره. منح منذ الولادة الحرية والاستقلال وإرادة التوحد مع الخلق. ولهذا عليه أن يسير على هدى من أمره: الناس جميعا بعض منه. وهو بعض من الناس.
هناك من ساروا في الطريق نفسها. غير أنهم سرعان ما ضربهم الوسواس، بأنهم أعظم من غيرهم. وأن الطريق لا تسعهم. وسرعان ما صعدوا إلى الشجرة. وعاشوا على غصونها، يقفزون من غصن إلى غصن. تخلوا عن جنسهم. وشدتهم كبرياؤهم إلى الأعالي. وما عرفوا أنها من عادات الجنس الآخر: الشمبانزي بل قل فصيلة القردة. وضعوا أنفسهم هناك، وصاروا ينظرون إلى غيرهم بدونية. وأنهم أرقى وأعظم من غيرهم قدرة و قدرا.
الصعود إلى الشجرة حاجة في وقتها: حين تنعقد الثمار، وحين يحين القطاف. وحين يكون الموسم في عزه. فهو لذلك مطلب العاملين والكادحين والناشطين. لا مطلب المتكبرين والمتعالين. ولهذا نخشى على أصحاب الشجرة، أن يصابوا بمرضها. فلا يستطيعون من بعد، النزول عنها. يتسمرون عليها. ويعلقون بها. وما أدراك ما شباكها. وما الخيلاء الذي يخيل إليهم فيها. وما يصابون فيها من غشوش الظنون، ومآتي الأيدي العابثة بها.
لا نريد لأصحابنا، أن يكونوا عالقين في الشجرة، فلا يعرفون النزول عنها. ولا ينسون كيف يسيرون بين الناس. وكيف يكونون أخوة لهم. فرابطة الإنسانية، ربما أرخت لهم الطول، حتى تجربهم. وتعرف مقدار ضعفهم من قوتهم. لإعتقادنا، أن الضعفاء وحدهم، هم الذين، يهربون من الدرب إلى الشجرة، لخلة فيهم، وشيء من الرقة والنقص، حتى لا نقول أكثر.
نحن بحاجة إلى الأسوياء الأقوياء، لا إلى حمقى الضعفاء، وضعفاء الحمقى. فهذة الفئة الغشوم، تظن نفسها أنها من الناجية. خدعت نفسها بنفسها. وعاشت هناك على الشجرة.
ربما تعرفنا ذات يوم، لهذا النوع من الداء: داء الهروب إلى الشجرة، والعيش فيها كما السنور. يرى من بعيد، قادما نحوه، وما هي إلا قفزة أو قفزتين، حتى يكون في أعلى غصن من الشجرة. يتلصص على من تحته. ويتحين فرصته للنزول هروبا إلى حاجته. فما يكاد يمسك بها، حتى يعود هاربا إلى عب الشجرة.
الهروبية، جزء من حياته. إن لم تؤلف حياته كلها. وتصير طريقة له في العيش. فهل يرضى الإنسان، أن يقطع عمره كله في هروبية مطلقة.
لسنا في معرض تقديم درس أو موعظة. وإنما هي الحياة، إما أن نكون فيها من الشجعان، أو أن نكون من الهروبيين المتحلقين المتحذلقين المتحملقين دوما. لا يعجبنا العجب العجاب. ولا نرضى أن نعيش عيش قوم، وثقوا حين ساروا. وسعوا أينما ساروا. وبين السعي والثقة بالنفس، خيط رفيع، يربطنا ببعضنا، هو خيط الإنسانية، فحذار أن نقطعه.
حمقى الشجرة هذة الفئة من الأصدقاء. هذة الفئة من الأهل. هذة الفئة من المجتمع. هذة الفئة من السياسيين. هذة الفئة من القادة. هذة الفئة من المجانين: أصابهم جنون العظمة. صعدوا إلى الشجرة. تسلقوها على ظهور وأكتاف ورقاب الشعب. ثم دفعوا بالسلم خلفهم إلى الوراء. ولم يعرفوا منذ ذلك اليوم كيف ينزلون عن الشجرة. أصاب منهم داء الشجرة مسا. مقتلا. ما عاشوا فيها. لأن حياتنا جزء منا ومن أرضنا ومن مجتمعنا ومن أهلنا ومن أصدقائنا ومن أوطاننا.
سألتكم: كيف هي حياة صاحب الشجرة. متى يعرف النزول عنها، قبل أن يصبح طعما للسنانير على الشجرة…
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.








