الشعوب الأصلية
أكثر ما يغالبك وأنت تتجول في شوارع مدينة مونتريال، حضور الشعوب الأصلية. تتعرف إليهم من سحنتهم المميزة التي تصارحك وتكاشفك. وتجعلك تتخيل هذا الشعب القديم في تلك البلاد، قبل أن تطأها القدم الأوروبية.
وجوه ممتلئة بالشمس والليل. وكذلك بالغابات والمستنقعات والغيطان والوديان والأنهار والجداول. وجوه ممتلئة بالحياة الحرون، والتي لم تطوع حتى اليوم، بعد.
أثمال قديمة رثة. وشعور مرسلة أو معقودة على الكتفين. وقامات مطواعة للريح وللصقيع وللجفاف وللحرائق. تراهم وكأنهم قد خرجوا للتو من بين حجارة المواقد السوداء. أو حلقات الدبكة في ساحة المحفل، على الثلج والجليد. وبأيديهم عصيهم التي ما تخلوا عنها. ينتحون في زوايا الشوارع وكأنهم متربصين. يخشون أن تفاجئهم فوهات البنادق بنيرانها. ترى الفزعات مطبوعة على جباههم من فرط الخشية مما سيحدث لهم. ولهذا تراهم ينطوون على أنفسهم. ويخبئون شقوق عيونهم بشعورهم وبأكفهم. ويتراقصون وهم يتهادون في مشياتهم، وكأنهم يحدون أمام الشمس والمطر والثلج والريح.
يخرجون من دساكرهم الشعثة، ومن دورهم المهملة والمظلمة، ومن ثنايا المدينة المعتمة، عندما تتعالى الشمس وتتعامد فوقهم. فيهبون إلى الزوايا التي إعتادوا أن يتخذونها مقيلا لهم. يتوسلون حاجاتهم بكل كبرياء، وكأنهم من جذوع وفروع غابة لينة للريح. مكابرة للشمس والعاصفة.

مجتمعات الشعوب الأصلية في مونتريال هي مسالمة. ولو أنها خارجة عن القانون و عن أنظمة الدولة. هناك يمضون على عواهنهم كل وقتهم. في الليل وفي النهار. يتكدسون فوق بعضهم، وكأنهم مداميك لقلاع قديمة. في الصباح يخفون إلى المدينة. وربما باتوا في زوايا شعثة، إعتادوا المبيت فيها.
تصادفهم عند الجسور. وعلى المنعطفات، وبالقرب من إشارات السير، على جوانب المحولات. يتميزون عن غيرهم بقاماتهم المعتدلة، كجذوع أو غصون قدت من فروع شجرة ضخمة، كان أجدادهم يتحلقون ويتفيأون تحتها.
مونتريال مدينة عالمية. فيها من كل شعوب الأرض. فيها من كل الملل والنحل. فيها من كل الأعراق والأجناس. وجميع هؤلاء حلوا ضيوفا فيها على الشعوب الأصلية. فلا يحتاج الزائر إلى دليل أو قائف يعرفه عليهم. يكفي أن يتفرس في وجه شارع يسيل بالناس، حتى يراهم بينهم مثل النباتات البرية في رياض مغروسة ناعمة. شوتهم الشمس وعفرتهم الأرض، وضرب المطر والريح أثمالهم، فبانوا وكأنهم من تماثيل قوم عاد، عثر عليهم في حفائر حضارة بدائية منسية.
مونتريال، من المدن العواصم في كيبك بكندا. تستلقي كعروس على أوجاعها القديمة. فلا تزال تعيش برهة ثقيلة من عمرها أسمها الشعوب الأصلية. ولهذا نراها قد حفرت في ذاكرتها على جميع الجدران والمسلات والممرات. وفي طرز عماراتها الحديثة. ينتقشها الفنانون على أبواب المزارات وفي باحات الحدائق، وفي جميع الأماكن السياحية.
الشعوب الأصلية في مونتريال حالة خاصة، أينما شرعت بالتوجه فيها. فإذا ما طالعتك الشخوص، تذكرت الرسوم التي كنت تمر بها، في جميع الأماكن المقصودة أو المفتوحة للزائرين. وخصوصا في الغابات والمتنزهات العامة.
مونتريال، لا تنسى شعوبها الأصلية. فهي تذكر بهم في جميع الرسوم، كوشم على بدنها. تقرأ الإعترافات والإعتذارات. وتنظر إلى الرسوم المخلدة. فأينما إتجهت في هذة المدينة العصرية، تراها تحتفظ في لوحاتها وفي رسومها بأكثر من إشارة، إلى تلك الشعوب الأصلية، الذين كانوا ذات يوم مضى، سببا في حياتها وفي عمرانها. تقف أمام معابدهم وأمام المجسمات التي تذكر بهم في بيوتهم وفي عاداتهم وفي جميع فنون حضاراتهم، حتى لكأنهم يلاقونك على الصباحات المشمسة.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.








