التحدي اليومي
عادة في مثل هذا الوقت بالذات. بعد المكوث إلى الطاولة صباحا. و في الوقت المخصص للكتابة. يبدأ التحدي اليومي: ماذا نكتب اليوم. تماما مثل سيدة المنزل تسأل نفسها: ماذا نحضر للغداء. ومثل حرفي في محترفه: ماذا نصنع اليوم. ومثل مدير ورشة: ما هو البرنامج اليوم.
هذا هو التحدي اليومي الذي يواجهني، وأنا أجلس وحدي. أريد أن أبدأ بالكتابة، لا من حيث بدأت البارحة. ولا من حيث متابعة الروزنامة الأسبوعية، بل من حيث أشتهي. من حيث يخطر على بالي. من حيث أتذوق الكتابة. تماما مثلما نتذوق القراءة. أريد أن أذوق الكتابة، مثلما أذوق القراءة.
للكتابة، مثل القصيدة، لها عاموديتها. وهي عندي أسميها: عمودية تذوق الكتابة. فما لم نتذوق الكتابة، وننضبط تحت عموديتها، لا نستطيع أن نكتب المعنى. لا نستطيع أن نخرج المعنى من داخلنا، ونلبسه قميصه. نلبسه السطر الذي نريد أن يتجلى فيه. نختار الألفاظ والجمل والسياقات والحروف. نرنمها بصمت، ثم نرسمها سطرا أو بعض سطر.ثم نعجم حروفها. نتابع هكذا، طريقنا في الكتابة.
التحدي الكبير كل يوم لنا، ونحن نقف على مفرق الكتابة، هو أن نجد الجهة التي نذهب إليها. هنا لا تستطيع أن تستعمل الخارطة. ولا تستطيع أن تستعمل الجدول. ولا أيضا، “الأبلكيشن” التي كثيرا ما نستغني بها للذهاب إلى الجهة التي نريد الذهاب إليها.
كل كاتب، له طريقته في مباشرة الكتابة. هناك شبه كثير بين الكتابة والحب. بل هناك قاسم مشترك: هو اللذة. فأنت لا تستطيع أن تذهب في طريق الكتابة بلا إشتهاء. بلا شغف. بلا شعور عميق بالتلذذ أثناء ممارسة الكتابة. هلا علمتم أن الكتابة، إنما هي فن الممارسة.
فحين تصير الكتابة هاجسا لا واجبا، يصبح الهم أعظم، مع بداية اليوم، وأنت على مفرق الكتابة. تجد نفسك مثقلا بما لا تدري من أنواع الأنواء والأهواء، التي تحملك. وتنتظر متى يهب عليك النوء، ويرمي بك من فوق، على ظهر موجة قلقة.
التحدي اليومي، هو أن تجد نفسك إلى طاولة خالية. وتبحث في خلالها عن إشارة، أتت إليك من علم الإشارة. وأصابتك إصابة مباشرة. فتهتف في عمق أعماقك: وجدتها. وتنبري لملاقاتها.
ليس أصعب من ملاقاة الأفكار. لأنها تحتاج إلى خزائنك كلها، حتى تختار لها ثوبا صالحا. وعندما تحضر إلى طاولتك اليومية، تعرف ما عليها من هموم مباشرة الكتابة. تذوق الصعوبات كلها. تتلمظها حتى الإستساغة. ثم تمضي بها إلى سوق الكتابة.
كيف يستطيع الكاتب أن يبادر الكتابة، وهو لا يدري بسوقها. بل كيف يستطيع أن يمضي كل يوم إلى السوق، ولا يأبه لوعورة الطريق. فهي مليئة بالأشواك، ولو أنها مليئة بالأشواق. وهل أعظم من تذوق الشوق إلا على إبر الشوك المعاندة.
تحديات الكتابة اليومية ، مقاساة لا يدري بها إلا من يذوقها. يمضي بك الوقت الحرون، وأنت أمام جدار الخوف من العصيان عليك. ما أصعب عصيان السطور على الكاتب. ما أصعب القفل. ما أصعب الرتاج. ما أصعب أن يعير الكاتب بالإرتاج عليه، حين ينبري لممارسة الكتابة.
الكاتب في تحدياته كلها، ليس أمر عليه من قلع ضرس الكتابة. هي الأوجاع كلها تنصب عليه إنصبابا. يتلمس الطريق. يتلمس الهداية. ويتلمس طوق النجاة في مغامرة الأفق والموج، حالما ينزل إلى الماء. فلا النجعة تبرده، ولا حمى الشوق تكفيه. ولا يستطيع التوقف. ولا التمهل. فالإندفاع كما السيل يجرفه. والأمواج تقذفه.وتراه يصنع بعينيه ميناءه. حتى يرتاح سفينه من العصف والقصف: بل من أنواء العاصفة.
لا شيء يقاس بالتحدي اليومي لدى الكاتب. يريد أن يجدد كل يوم ماء الكتابة. ما هذة البئر التي تغور. ما هذة البئر التي تفور. لا يكل الكاتب عن نزحها، حتى تجف عليه. حتى تبخل بالقطرة الكافية.
أمس وقفت على طلل الكتابة. شعرت أن الدنيا كلها صغيرة على قدمين حافيتين. على ساقين ترتجفان من الصقيع. كانت تدور في رأسي فكرة طائشة، حلمت بإصطيادها. ما أصعب أن يقف الكاتب على طلل الكتابة. عرفت بعد ذلك، لماذا كان الشاعر، يبتدئ بالمطلع الطللي. ثم تراه يلهث وراء ظباء المعاني. يرمي عليها شباكه. يرمي عليها من خزانته قمصان الكتابة. يمضي وقته في صنع قطبة مخفية لعروس أفكاره: هو التحدي اليومي. يبرحه مذ ذاق طعم الكتابة. صنع لها عمودها بيديه. وصارت أصابعه، لا تنقبض ولا تنبسط إلا لها.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







