عكاظيات المحللين
نكسة الخامس من حزيران-١٩٦٧، أو ما يعرف ب”حرب الأيام الستة” بمصر، أسست لأعمال أدبية ومسرحية عظيمة. وأنبتت كذلك في مصر نفسها، وفي بلدان عربية أخرى مجاميع كبرى للنكات والرسوم الهزلية الساخرة التي أتحفت الدواوين والصحف والمجلات. ومن أشهر الأعمال الفنية التي وصلتنا من تلك الحقبة: مسرحية محمد الماغوط: حفلة سمر من أجل ٥ -حزيران. ومجموعات شعرية بلدية للثنائي المصري: الشاعر الشعبي أحمد فؤاد نجم، والعازف والمغني الشعبي الكفيف الشيخ محمد إمام. وقد شكلا معا ثنائيا فنيا هزليا، أنسى الناس خسارة سيناء والضفة الغربية وجبل الشيخ والجولان.
أما نكسة ١٢- حزيران-٢٠٢٥ وما بات يعرف بحرب الأيام الإثني عشرة في إيران، وقبلها عملية طوفان الأقصى، ومعها حرب الإسناد: (٢٠٢٣-٢٠٢٤)، فقد أتحفتنا هذة الحروب الثلاث، بعدد هائل من المحللين. أفردت لهم الصحف والإذاعات والميديا والشاشات، عبر الأثير. وكذلك الخطابات والمقالات والكتب النقدية والكثير من الحوارات المرئية وغير المرئية. بحيث صار لدينا طبقة خاصة منها. فلو كنا في عصر الجاحظ، لأسماها طبقة المحللين السياسيين بكل إمتياز، على غرار الطبقة التي تحدث عنها في كتاب الحيوان، والتي أسماها، طبقة “حاضري الجواب”.
في التاريخ الأدبي، تحدث المؤرخون بإسهاب عن شعراء عكاظ في الموسم. وأنهم إنما نبهوا هناك. فأتحفوا الأدب العربي بالمعلقات السبع، أو الثمانية أو التسع أو العشر. وأن الحطيئة، كان يأتي من اليمامة ليحضر الموسم في مكة. وأن النابغة كانت تضرب له فيه، قبة من أدم أحمر. وأن حسان والخنساء، إحتكما هناك لدى الشاعر الأعشى.
كذلك يتحدث المؤرخون عن طبقة شعراء المربد في البصرة. وعن طبقة شعراء كناسة في الكوفة. وكيف أن شعراء النقائض: جرير والفنادق والأخطل، إنما جلتهم السوق. وقدمتهم إلى جمهور الشعر، فخلفوا لنا كتب النقائض التي تأدبت أجيال من الشعراء عليها.
وليس بعيدا من ذلك، ما عرف بمجالس الشعر في بغداد وفي حلب وفي طرابلس وفي حمص وفي دمشق وفي أنطاكية وفي سجستان وتبريز وفي أصفهان.
كانت الحروب تبعث على الشعر وعلى توافد الشعراء إلى البلاطات، لإذاعة الأشعار، تماما كما يحصل في المواسم وفي المساجد وفي الأسواق. كانت طبقات الشعراء من العصر الجاهلي، حتى عصر النهضة، إنما تتبيأ، عند مزدحم الأقدام في تلك البلاطات، لتعتاش هناك.
أفردت الحرب الإسرائيلية- الأيرانية، بكل متفرعاتها، وبكل مندرجاتها، وبكل أذرعتها في العواصم العربية، طبقة من المحللين السياسيين، أشبه بالمراسلين الحربيين، الذين شهدوا الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام وحرب كوريا وحرب كومبوديا، وسائر الحروب التي خوضت فيها الدول العظمى، مثل أميركا وفرنسا وبريطانيا، وكذلك الحرب الروسية – الأوكرانية الجارية. وإحتلت الهواء موجات مما يعرف ب “ذباب الأثير”، لم يشهد مثله التاريخ القديم ولا الحديث. وكثرت مواقع التواصل والميديا، كثرة فاحشة. وصارت الشاشات تتفرخ وتتفسخ وتتفسل، ضمانات ضمانات مثل فصيل “البروكلي والقنبيط”. إذ سرعان ما تتفسخ إلى وحدات جديدة، لكثرة إستدعائها “مما هب ودب” من المحللين السياسيين والحربيين. حتى صرنا نشك ونتشكك في أمرنا:
ما دام لدينا كل هذا الكم، أم العدد الهائل النابه، من المحللين، فلماذا كان لنا مثل هذا السقوط الكارثي والمدوي، الناجم عن الأمية السياسية والجهل السياسي. خصوصا إذا ما عرفنا، إن الحرب التي صليت لنا وأصلتنا بنارها، إنما هي حرب أطماع سياسية بامتياز.
لماذا إذا، لم نتجنب ولم نجنب أنفسنا، في أن نكون وقود جهل معرفتنا السياسية. وقود جهل مسيرتنا السياسة طيلة الأربعين سنة الماضية.
طبقة من المحللين، يستيقظون مثل “ديوك الحي”، ويبدأون بالصياح مع الشروق، حتى ساعة متأخرة من الليل. وقد فتح لهم الأثير: “فقط 24/24”. يسرقون أفكار بعضهم. يقلدون أصوات بعضهم. يحرفون الأقوال ويتزيدون فيها، وكأنهم أبناء بجدتها. يخوضون في كل المسائل التي تعجز أصحابها، ولا يردون سائل. ولا يقولون لا أعرف. يسيل الكلام على لسانهم: يذرب ذربا. وكأنهم أبناء علم المعرفة.
طبقة من المحللين، على جميع موجات الأثير، جاؤوا مع موجات الحروب الأخيرة، في غزة وفي لبنان وفي سوريا وفي اليمن وفي إيران، كما الغثاء، أو قل كما زبد الموج. تراهم ينتقشون على الشاشات، وينفقشون ، ويتطاير اللعاب من بين شفاههم، تماما كما يتطاير الرذاذ، كأنهم يتدربون لأول مرة، على درس القراءة.
مر أبو العباس، على أحد مساجد بغداد، فتناهى إلى مسامعه صوت سمعه من قبل، وهو يتحدث بعلوم اللغة. فأصخى إليه وراء أسطون الحلقة، حتى إنفض الجمع. وتقدم إليه: فإذا هو عثمان بن جني، الذي لم يجز بعد. فإرتعدت فرائص بن جني، حين قال له أبو العباس: كيف تفعل هذا؟. قال إبن جني لشيخه: أردت أن أدرس ما أعرف من اللغة. فأجابه إبن عباس:
ولكني لا أرى في وجنتيك “ورد المعرفة”!.
عكاظيات المحللين، والله أعظم مصيبة علينا، من كارثة حرب الإثنين عشر يوما. بل من كارثة عملية طوفان الأقصى وأخواتها…
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







