الحياة كلها تأمل
لا تهزنا المشاعر وحدها، وإنما المشاهد. يمثل الشلال أمامنا متدفقا منسكبا. يقهقه قهقهة مختلفة كل لحظة، حتى لنراه يكاد يمثل علينا دوره، منذ إنتحل هذة الصفة. وأما الصخور حوله، فهي تشهد بالصمت. تهز رؤوسها للريح. وتقول لها: أنا هنا.
متى كان الجدول يجري مثل شهاب من فضة. ثم تراه ينطفئ، مثل شمعة تذوب في آخر الليل. متى كان الوادي يحكي الروايات تلو الروايات عن الذين عبروا فوقه. عن الذين نزلوا يسلمون عليه. متى كان البحر يحفظ رسائل الموج كصندوق بريد ضخم. كل شراع كان يترك رسالة. كتبتها سارية على عجل. وتركتها للذين يأتون من بعد. كما السماء حين يطلق الطفل نحوها طيارة ورقية. تجد خيطانها تنسج عنكوبة الزمن الجميل. أما ترويسة الرأس، فهي فصل لكتاب جديد.
يروح العمر مع الصباح ثم يجيء مع المساء، حاملا في عينيه لوحات لوحات. ما هذا التشكيل من التراب الرطب، والحجارة المرصوفة التي تحدد ملكية الأرض. وبعض باقات الزهور والورود، على شكل ياقة. على شكل غابة. على شكل زمردة سقطت سهوا عن نطاق جميل.
الحياة كلها تأمل. تنهض للعينين، ثم تعود للوراء. هناك في الظلام المضيء لوحة تشع، وخيوط لشمس تجري وراء طفل يبوح. يشهق التنهيدة العسل، من فم يتلعثم بأبجدية الكبار. يصوغ أبجديته لنفسه ولا يأبه للنحاة. وفي عينيه يرسم عصفورا ينقر شباكه. يقول له: صباح الخير يا صغيري. تعال معا نطير.
نسيمات رقيقة كشال فتاة غجرية، تسف مع التراب والأوراق وأجنحة الفراشات، ثواني الوقت. كل ثانية لعمر طويل أو قصير. وهذة البجعات التي تسبح في سجف البحيرة الساكنة، لماذا هرعت إلى الضفة الأخرى حين رأتنا. وأمامها أمل عريض، بأن الخطر صار بعيدا عنها.
ما هذة الخيمة الصفراء التي نصبت كراية. تحتها جثا الصغار يلهون بألعابهم. يعدون الحصى. ويرسمون بعيدان القصب على الرمل، القلوب الصغيرة. يضعون على الرمل قلوبهم، ثم يغادرون. وفي البال أغنية للحساسين: نعود بعد يوم. بعد يومين. لن يطول الغياب.
تعبر الغيوم فوقنا. ترش علينا ماء الزهر والورد. حملته من ندى التيجان عند البكور. تضحك غيمة لنا. شقت صدرها حين رأتنا نهرول. أخرجت منها شمسا صغيرة ورمتها فجأة علينا خيوطا خيوطا. تمهلنا حتى نلم الذهب عن ثيابنا. حتى نلم الذهب عن الرصيف الهارب تحت أقدامنا. حتى نجمع ثياب الشمس عن أطراف الأرض.
الحياة كلها تأمل. نحاول فقط أن نخبئ في العب لوحاتها. نحملها بهدوء. نخزنها في متحف العمر.
ماذا يفعل سجين عمره، إلا أن يلهو بها. يعيد تشكيلها كل يوم على الجدران. يعيد تنقيطها بالألوان. يحاول أن يمحو بعضها. ترى لماذا يعصى عليه محوها؟.
يترقرق الماء بين يدين راعفتين. يرق القلب قليلا. ثم يجفل إلى ذكرى.
هناك في البعيد البعيد، كان على دابة عرجاء. رآها تئن وهي على منعطف. نزل إليها. قدم لها يده. رأى الدرب تخضل. تنبت الحصى والعشب. وكلما كان يمحو لها دربا، كانت تعيد رسمه.
عمر برسوم معرشة، على أيكة الزمن. وأوراق ضاحكة. وعاصفة كلما تقدم منها، أخرت له موعدها. فقط نحن نعد الرسائل ولا نقرؤها.
الحياة كلها تأمل. هكذا تقول لنا اليد التي رسمت لنا التراب والصخر فوقه أو تحته. وجعلت بين يدينا الينبوع الذي، إن شهقنا، يضحك…
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







