حكمة يوسفية وحبر رقيق
بقلم لامع الحر
نحنُّ إلى الكتابة كما كُنّا نحنّ إلى أشيائنا الحميمة، بذائقة: شاعر متمرس، وعقلية فتى لم يتجاوز العشرين بعد.
نحنُّ إلى أشيائنا القديمة حنانًا يتسلق الجدران، ليصل الكهنوت السري الذي على أوتاره تتجلى سمفونية العصر، كلما لم تتجلّى قبلًا.
ويوسف رقة واحد من الايقونات السرية التي تهتف قريبًا من الصداقة المتوخاة التي تنبض على إيقاع حبٍّ أزلي، يأخذ من الحياة صولجانها الدافئ، وبريقها الأكثر لمعانًا وسطوعًا.
وما “زهور برية على كوكب غامض”، الصادر عن منشورات شاعر الكورة الخضراء عبد الله شحاده ، إلا تفاحة مرمية في أحضان الكوكب، بحثًا عن الحياة وعن تجلياته التي لا تهدأ ولا تستكين .
غلاف كتاب ” زهور برية على كوكب غامض ” للكاتب يوسف رقة
ليوسف رقة عالم خاص جدًا، يتحدى الآفاق حينًا، وحينًا آخر يعترف بالقصور إزاء تراجيديات الواقع التي تبث موسيقاها على إيقاع يعطي المشهدية ألقها المبين.
والعلاقة بين الأرض والكاتب علاقة تتماهى معها السطور، فلا تنحني إزاء سطوة الأعداء.
ولا تستسلم إزاء سطوة الأشياء فتنحفر في الجسد بخورًا يحمي و رايات تعلي، ومجدًا لا يخيب سعيًا إلى بذور الحرية المشتهاة:
“أنثر جسدي بخورًا للأرض، وأعود كطير مذبوح قربانا من أجل الحرية.”
ومن الغور العميق تجيء القصيدة رقصة أحلى، وموسيقى أشف. لأن الكلمات تتحول حين تبدأ الكتابة عن الحبيبة إلى قصيدة ذات “رقصة مجنونة” تحفّ بالأغوار لتأخذ المعنى الذي يحلم به الكاتب.
وهو كما العربي تماماً، ينتمي بالنهاية إلى قبيلة تقليدية,لها تاريخ ولها ما لها في الحياة العربية.
وانطلاقًا من الواقع الراهن لم يجد أمامه إلا “نهبان وقحطان .وذلك لأن نهب الثروات جعل من أرض أبناء الضاد أرضًا منهوبة بالكامل كأن للشيطان حظًّا كحظ الأسد. يبدأ بالنهب و لا ينتهي بالقحط. ورحم الله أبناء العروبة الذين أضحو أشبه بغيمة لا تحمل زادًا ولامالاً. انه صورة مجازية لها ما لها من جمال يحلق ليمسي صنو الأثير المترامي.
ضياع في المحيطات هو البحث عن الحب المجدي وكأن مياه الأثير تنضبّ مع موازين السباحة التي لن تأتي .
يحاولان اللقاء لكن الواقع شرس وغيور ويتأبط مجد الكلمات التي لا ترتضي البقاء على ضفة النهر وصولاً إلى المعادلة الأصعب. ويبقى الصراع على أشده كأن خمرة الحب قد طلّقت أشياءها إلى غير رجعة وكأنها قد اقتنعت بالفراق المبين الذي تتحطّم على جوانب ملاك العشق الذي ينزوي في مركب تائه بين المحيطات:”فلتكن المسافة بيننا : أنت على ضفة النهر وأنا في المركب التائه بين المحيطات.”
يبدأ نصّه في سياق سردي لطيف. كأنه يريد أن يحيك قصة.بكل ما لديها من مقومات تقف على عمق القول. لا لتحدد ماهيته . بل لتهرب منها.على ضوء شمعة تحوك منزلاً لأفكار تتجمع،ليكون لها ذلك النسيج الخاص،الذي على بنائه المحكم. يأخذ السرد أبعاده ،وتجلياته الممكنة بعيداً من الواقع أو قريباً منه:”أقيمت الصلاة لروحه وهو ما يزال على قيد الحياة”.
الشعور بالعجز يهدم الأحلام والأمنيات كأنه باب مفتوح على عوالم تتصدع لتحوك راية الإنتظار الذي لا يُفضي إلى شيء. بل يغرق في ثنايا العتمة بحثًا عن ضوءٍ يتخفّى في ثنايا عالم مجهول لم ندرك كنهه بعد.
الأحلام قد تتحول إلى يقظة حارة، ممتلئة بالشوق، مجرورة بالأغنيات التي تنصبّ علينا وكأنها الجرع المفتوح على بقايا هذا العالم.
الجراح كثيرة وعميقة، لكن الوصول إلى القدس العتيقة مجرد أمنية، تتحدى هذا العالم الذي نعيشه ، وكأنه سفينة الوصول إلى بهاء عالم خفي يتجلى في الهاهنا، وفي الهاهناك دمعة تبكي تراب القدس وتنحني لأنينه العظيم، ولجليله المتوج خيوطًا وألواناً.
رقة لا يزعم أنّه يكتب الشعر.كتابته أفكار تتوجّه رؤى مرسومة بحذاقة. وكأنه يزرع الورد في مكانه العاطر والصاحي.
رقة لا يكتب الشعر، لكن الشعر يغزوه، يبيّن ما لديه من رغبة مهمومة ومأخوذة بالكلام الحر الموزون، وليس المقفى، وكأنه يستولد جمره الداخلي من نسيج الكلام المرصّع بالأغاني الخافتة، وبهديل الرؤى المتربّعة على عرش الكلام الجميل ص97.
اللافت في الكتاب أن نصوصه بلا عناوين. فقط هناك العنوان الخارجي وكفى. فكأنّها لا تضفي شيئًا إلى النص، والنص لا يحتاج إليها لأنها “كلمات زارت أسود المواقيت. وتدثّرت بعشقها أوردة المكان، وظلّلتها أطياف حكمة يوسفية، وتهجّد حبر رقيق فيها من الضوء ما يكفي ليرتق أشلاء العتمة في القلوب”. هذا كلام الناشرة ميراي شحادة الذي اخترق الحواس، ليأخذ مكانًا بعيدًا في الأعماق، وكأنه الروح التي تشرب مياه التسنيم، وتمضي أعمق إلى مسار الرؤى المعتّقة.
الناقد والشاعر لامع الحر ( تصوير يوسف رقة )






