كتب عصام حسين الحرّ :
دريد لحّام.. فنّ والتزام
كنتُ على مقاعد الدّراسة في المرحلة الابتدائيّة، عندما طرح أستاذ اللّغة العربيّة سؤالًا: من يستطيع تقليد دريد لحّام؟
كنتُ يومها في التّاسعة أو العاشرة من شعمري، وبما أنّ أسرتي لم تكن يومها تقتني جهاز تلفزة، فإنّ سؤاله كان بالنّسبة لي بمثابة لغزٍ لأنّني لا أعرف من هو دريد لحّام أصلًا، وحصل يومها أنّ أحد الطّلّاب تبرّع بأداء المطلوب، وأضحكَ الصّفّ. بقيت هذه الحادثة عالقةً في ذهني، وتشوّقتُ لأن أتعرّف إلى شخصيّة دريد لحّام.
مرّت الأيّام، إلى أن تسنّى لي، بعد اقتناء ذلك الجهاز السّحريّ، أن أحضر بعض أعمال هذا الفنّان: “صحّ النّوم”، “حمّام الهنا” وسواهما. يومها شدّتني المواقف الكوميديّة الطّريفة الّتي كانت تقع بين “غوّار” و”حسني”، وهي مواقف تحمل شيئًا من السّذاجة الطفوليّة، وقدرًا من الاحتيال مجسّدًا في عدد من المقالب المهضومة، ورحتُ أتابع بشغف وشوقٍ أعمال هذا الفنّان المميّز، وهي أعمال كانت تهدف في الغالب إلى الإضحاك بهدف الإضحاك، مع “تلميحات” محدودة إلى بعض المشكلات الاجتماعيّة، لكنّ أداء هذا الفنّان تطوّرَ مع الزّمن، وراحت أعماله تأخذ منحى أكثر جدّيّة على طريقة “شرّ البليّة ما يُضحك”، وهكذا خرجت مجموعة من الأعمال الّتي تدخل بقوّة في إطار الفنّ الملتزم الّذي يتناول قضايا حياتيّة واجتماعيّة ووطنيّة وسياسيّة يعاني منها الإنسان العربيّ. والواقع أنّ هذه الأعمال شكّلت منعطفًا هامًّا في مسيرة هذا الفنّان، بحيث تحوّلَ من مجرّد فنّان كوميديّ ناجح إلى حامل رسالةٍ بكلّ ما تحمله هذه الصّفة من مضمون.
في مسرحيّة “كاسك يا وطن” تتراءى صورة المواطن المقهور الّذي أحبطته التّجارب، وأنهكته المعاناة، ما انعكسَ موتًا لآماله، ونحرًا لطموحاته، وسخريةً وهزءًا من واقعه، واقع المجتمع الاستهلاكيّ الّذي يُلهي مواطنيه بسخيف الأمور، وبالأجوف من المظاهر، فلم يجدْ سوى محاولة الهرب من هذا الواقع، وهو هربٌ لا يقدّم حلًّا بقدر ما يعرّي واقعًا ويكشف حقيقته، ولعلّ المخابرة الهاتفيّة الّتي جرت بينه وبين والده تلخّص كلّ وجع المواطن العربيّ الّذي خذلته التّجارب، ونحرت كرامته على مذبح السّياسات الفاسدة.
في مسرحيّة “ضيعة تشرين” صورة كوميديّة صفراء لواقع مُرّ. محاولات تليها محاولات من أجل إخراج الحرامي من الكرْم، فيما مختار الضّيعة مُتلَهٍّ بأمور أخرى، حتّى إذا وقعت الواقعة، وسيطر الحرامي على الأرض، غيّر المختار ثوبه مُعلنًا أنّ الحرامي لم ينجح في تحقيق ما أراده وهو إزاحته من المخترة، وبالتّالي، فإنّ ما حصل كان نصرًا ولم يكن هزيمة، وفي النّهاية يحلّ النّصر متوّجًا بدماء الشّهداء، فالنّصر والتّحرير لا يتحقّقان بالكلام والشّعارات وإثارة العواطف، وإنّما بالقتال والصّدق وبذل الدّماء وسلوك طريق الشّهادة. مسرحيّة ملتزمة تنتقد الواقع العربيّ، وتضع اليد على الجرح، وتؤكّد أنّ تحرير الأرض المغتصَبة لا يكون بالشّعارات، ولا بالإذاعات، ولا بالخطابات الرّنّانة الفارغة.
في فيلم “الحدود” تصوير مُرُ لواقع الأمّة المقسّمة والمجزّأة، ولمعاناة المواطن الواقع ضحيّةً لتلك التّجزئة، فالحدود تفصل بين أوطان الأمّة الواحدة، وعلى ضفاف هذه الحدود يجد المواطن نفسه غريبًا على أرضه، ومقهورًا في وطنه، وعاجزًا بين أبناء جلدته، والطّريف أنّ هذا الواقع غير الطّبيعيُ، وغير المقبول، وغير المنطقيّ، يغلَّف برداء القانون، وبالمنطق الّذي يفرضه جواز سفرٍ ما كان يجوز أن يكون أصلًا بين مواطني أمّةٍ واحدة يُفترَض بكياناتها المصطنعة أن تكون مفتوحةً على بعضها بعكس ما أراد المستعمِر.
الفنان الكبير دريد لحام
في فيلم “التّقرير” إضاءة على تلك المسافة الّتي تفصل بين المواطن والمسؤول، وعلى المساحة الّتي يحتلّها الفساد والمُفسدون، بحيث بات هؤلاء المُفسِدون قادرين على أن يحفظوا وجودهم، وعلى أن يستبعدوا كلّ محاولةٍ للإصلاح، ففي حين يعاني المواطن ما يعاني، يلتهي المسؤول، ويُلهي معه المواطنين، بمعارك هامشيّة لا تقدّم ولا تؤخّر، بل أكثر من ذلك، هي معارك من شأنها أن تقضي على كلّ مُصلح، وعلى كلّ محاولةٍ للإصلاح، وذلك وسط انجراف الجمهور وراء أمور تثير حماسته، وتجعله يذهل عن مَصالحِه الّتي يدوسها الفاسدون، فيما هو يصفّق ويتحمُس وينفعل ويتفاعل مع صراعاتٍ، كبيرة أو صغيرة، تُبعده عن مصالحه الحقيقيّة، وتُتيح للفاسد أن يستمرّ في فساده، وهكذا، نرى أنّ المواطن الّذي يعتقد أنّ المثاليّة تحكم البلد قد سقط من دون أن يبالي به أو يأبه له أحد، فالقضايا التّمويهيّة الّتي يطرحها المفسدون تنجح في إلهاء المواطنين، وتتمكّن من صرْفهم عن وعي قضاياهم والسّعي لتحقيقها.
في مسلسل “وادي المسك” صورة أُخرى تضيء على المحاولات الّتي يتّبعها المفسدون لتثبيت وجودهم في المجتمع، فهذا الوادي كان يعيش في حالة مثاليّة من التّعاون والانضباط وحفظ المصلحة العامّة واحترام القانون، إلّا أنّ حشرة الفساد تمكّنت من أن تخرق المجتمع في هذا الوادي، واستطاعت بما تملك من وسائل إغراء مادّيّة، ومن قدرة على رفْع الشّعارات المضلِّلة، ومن قدرة كذلك على استمالة من نبذهم المجتمع من متضرّري الأمن والنُظام، استطاعت أن تخلق واقعًا جديدًا قوامه مجموعة من الوصوليّين ومنتهزي الفرص،والسّاعين إلى تحقيق المكاسب على حساب المواطن العاديّ، ومع الوقت،تحوّل الفساد إلى حقيقة قائمة ومنظومة لها حُماتُها والمدافعون عنها، ونشأت فئة من المنتفعين الُذين لا مصلحة لهم في العودة إلى ما كان عليه الوضع سابقًا، وبات مستحيلًا إنجاح أيّة محاولة للإصلاح وإعادة الأمور إلى نصابها.
في مسلسل “الخربة” نجد أنفسنا أمام لوحةٍ ساخرة تقدّم صورة عن المجتمع المتخلّف الّذي يتحكّم فيه أصحاب المصالح الّذين يبنون زعامتهم، ويحقّقون مصلحتهم، ويحافظون على سيطرتهم بالاعتماد على إثارة العصبيّات العائليّة والعشائريّة، حتّى إذا لمسوا محاولةً من شأنها أن تقضي على نفوذهم أو تحدّ منه، سارعوا إلى التّفاهُم والتّعاون لتدارُك الموقف، وإبقاء بذرة الخلاف حيّةً في النّفوس.
وفي الوقت نفسه، تطالعنا شخصيّات تدّعي حمل أفكار تقدّميّة لتغيير واقع هذا المجتمع، إلّا أنّها تغطّي بـ “ثوريّتها”جهلًا تخجل منه وتعمل على إخفائه، وهي، برغم شعار نبْذ العشاىريّة والعائليّة الّذي ترفعه، سرعان ما تقع في المحظور نفسه، فتتمسّك بقشور العادات والتّقاليد لتُثبت أنّ انفتاحها المعلَن ما هو إلًا واجهة تُخفي خضوعًا للواقع القائم لا تتخلّص منه إلّا متأخّرةً، عندما تُثبتُ الأحداث أنّ قطار التّقدّم لا يمكن أن يتوقّف، وإن استطاع البعضُ عرقلة سيره. لذا، فالّذي يتشبّث بمفاهيمه البالية سيتخلّف عن الرّكب، وسيجد نفسه في النّهاية وحيدًا.
ما يربط بين هذه الأعمال رسالة تدعو المواطن العربي إلى وعي مصالحه الحقيقيّة، ونبذ التّفرقة أيًّا كان عنوانها، وجعل القضيّة أرفع وأسمى من أيّ زعيم.
دريد لحّام فنّان كبير أضحكنا بقدر ما أبكانا على واقع مزرٍ نعيشه.
الفنان دريد لحام والكاتب عصام الحرّ







