هطولُ الرُّوحِ مِن قِمَمِ الباروك
بقلم: فاروق غانم خداج – كاتبٌ لبنانيٌّ وباحثٌ في الأدبِ والفكرِ الإنسانيّ
اقتربت سحابةٌ شاعرةٌ بالتَّعبِ من سفوحِ جبلِ الباروكِ، تحملُ في قلبِها هَمْسًا خفيًّا لا يُسمَعُ إلّا لِمَنْ تَعَلَّمَ لُغةَ الرِّيحِ. كانت قادمةً من جهاتٍ بعيدةٍ مرّت فوقَها مواسمُ من الغيابِ، فتثقلَّت بالحنينِ إلى أرضٍ تعرفُ كيفَ تُحوِّلُ المطرَ إلى حياةٍ. وما إن وصلت إلى ظلِّ الأرزِ المُتعالي حتّى توقّفت، كأنَّها أمام بوّابةِ حكمةٍ قديمةٍ لا يجرؤُ العابرونَ على تَخَطّيها دون إذنٍ.
وبصوتٍ يكادُ يُشبهُ صلاةً، قالتِ السَّحابةُ:
يا جبلَ الباروكِ، يا شيخَ السلسلةِ الغربيّةِ، يا شاهدَ الأزمنةِ المتقلّبةِ… جئتُ إليكَ أفتِّشُ عن نَفْحَةٍ تُعيدُ إليّ القدرةَ على الهُطولِ. رأيتُ السهولَ تظمأُ، والوديانَ تَحْزَنُ، والبيادرَ تنكسرُ تحتَ حَرِّ الشهورِ الطِّوالِ. وسمعتُ الناسَ يقولون إنَّكَ تحفظُ سرَّ الحياةِ في جذورِ أرزِكَ، وإنَّكَ تُعَلِّمُ مَنْ يقتربُ منك معنى الصبرِ.
لم يُجبِ الجبلُ مباشرةً. فالجبالُ لا تتكلّمُ على عَجَلٍ. الجبالُ تُنصتُ أوَّلًا إلى ما تقولهُ الأشياءُ بصمتِها.

هزَّ نَسيمٌ باردٌ أغصانَ الأرزِ، فارتجفَ الهواءُ من حولِها كأنّ روحًا قديمةً تستيقظُ من نومٍ طويلٍ. ثم قال الباروكُ بصوتٍ لا يُشبهُ صوتًا، بل يُشبهُ ارتجاجَ العصورِ في قلبِ الزمنِ:
يا سحابةُ، إنَّ فيكِ ماءً أكثرَ ممّا تظنّينَ، ولكنّ المطرَ لا ينزلُ من ثِقَلِ الماءِ، بل من خِفّةِ الرُّوحِ. أنتِ تبحثينَ عن قبلةٍ، والقبلةُ لحظةٌ؛ أمّا الحياةُ فنبتةٌ تحتاجُ ما هو أبعدُ من اللحظاتِ.
ثمّ أضافَ بنبرةٍ صوفيّةٍ تملأُ صمتَ الأعالي:
تعلمينَ لماذا اختارني الأرزُ وطنًا لروحِهِ؟ لأنَّهُ عرف أنَّ الثباتَ عبادةٌ، وأنَّ الوقوفَ في وجهِ الرِّيحِ ليس عِنادًا، بل فَهْمًا للقَدَرِ. مرَّت عليّ عصورٌ من الفتنِ، وجيوشٌ عبَرَتْني، وثلوجٌ خَبّأَتْني، وقرى لجأت إليّ حينَ ضاقَتْ بها الحياةُ. لكنّني بقيتُ واقفًا، ليس لأنّني أقوى، بل لأنّني أعرفُ حدودي ووظيفتي في هذا الوجودِ.
سمعتِ السحابةُ هذه الكلماتِ كأنّها تتلقى وصيّةً. وشعرت أنَّ اللونَ الرماديَّ الذي يُغَطّيها ليس إرهاقًا، بل انطفاءً مؤقّتًا يستبشرُ بعودةِ الضّوءِ. فقالت بامتنانٍ لا يخلو من خشوعٍ:
أفهمُ الآنَ معنى أن تَهْطُلَ الرُّوحُ قبل أن يَهْطُلَ الماءُ. أنتَ لم تمنحني قبلةً، بل منحتني معنى. وسأرحلُ من فوقِكَ لا كسحابةٍ تبحثُ عن غايةٍ، بل كرسالةٍ تحملُ ذاكرةَ الجبلِ إلى الأرضِ.

ابتسمَ الباروكُ بصمتٍ يُشبهُ سماحًا روحيًّا، كأنَّ الجبلَ فَهِمَ أنَّ السحابةَ أصبحت مستعدّةً لتحمّلِ ما يليقُ بها.
وانطلقتِ السحابةُ في السماءِ، تَهيمُ فوقَ البيوتِ الحجريّةِ والمنازلِ التي تُعانقُ السفوحَ منذُ قرونٍ. كانت ترى على الطّرقاتِ آثارَ الناسِ الذينَ صعدوا يومًا إلى الأرزِ ليتركوا أمنياتِهم بين الأغصانِ، وتسمعُ في عمقِ الريحِ أصواتَ الرُّعاةِ الذين مرّوا يبحثون عن قوتِ يومِهم.
وفي أولِ سهلٍ عطِشٍ، فتحت السحابةُ قلبَها.
لم تَهْطُلْ كالمطرِ المعتادِ، بل كأنّها تُنشدُ أناشيدَ قديمةً نسيتْها الأرضُ. كان المطرُ ناعمًا في بدايتِهِ، ثم اشتدَّ شيئًا فشيئًا، حتى بدا كأنّهُ يُوقظُ ما نامَ طويلًا في التّرابِ.
وفي الصباحِ، تغيّر المشهدُ. عادَ الأخضرُ يُصافحُ العيونَ، وعادت الإشراقةُ إلى الحقولِ، وعادَ الناسُ يرفعون رؤوسَهم إلى السماءِ، يُدركون — دون أن يقولوا — أنَّ الجبالَ حينَ تُعلّمُ السُّحُبَ معنى الهطولِ، تُولَدُ فصولٌ جديدةٌ لوطنٍ اعتادَ أن ينهضَ حتّى من رمادِهِ.
أمّا السحابةُ، فتابعت رحلتَها، لا تبحثُ عن جبلٍ آخرَ، بل تبحثُ عن أرضٍ تنتظرُ معنًى مشابهًا…
تمامًا كما يفعلُ الإنسانُ حينَ يفهمُ دَرْسَ الحياةِ من حكمةِ جبلٍ صامتٍ.
الكاتب فاروق خدّاج







