كتبت د. ساندي عبد النور :
( صباح الشعر و الرقص في آن)
يلحُّ عليَّ في الآونةِ الأخيرة سؤال لا يكفُّ يربكُ كياني و كأنّه بذلكَ يحثّني كي أجد إجابةً له ألا و هو ما القاسمُ المشترك بين الرقص و الشعر؟؟ هل هناكَ بالفعل من وجهٍ مشتركٍ بينهما عدا عن أنّ المجتمعَ أدرجَ كلُّ واحدٍ منهما في مضمار الفنون؟
عشقتُ الشعرَ منذ نعومة أظفاري فاتخذته رجلي لسنينَ طِوال لذا ما كففتُ أجاهرُ علناً أنّه حبيبي و علّةُ وجودي في الحياة وسط مجتمعٍ بدأتُ رويداً رويداً أتيقنُ كم أنّه سابحٌ حتّى العظم في يمّ الماديات و محيطات القشور. للأمانة، وجود الشعر في حياتي هذّبها كما الرقص فأضفى عليها ألف معنى و معنى بخاصةٍ حين أدركتُ أنّه شريانُ الوجود و أنّي به سأحيا و أوجد و أتحرّك ما حييتُ.
لم أكنْ أعرفُ قط أنّ مع حبّي المعلن للشعر حبّاً آخر سرياً كان ينمو في داخلي هو حبّ الرقص! أحبّهما معاً بالقوة ذاتها و العمق ذاته! لم أدّعِ يوماً بأنّي شاعرة بل قلتُ دوماً إنّي شغوفة به إلى أقصى حدٍّ ممكن! تماماً كما يحصلُ معي اليوم بما يخصُّ الرقص، لا أدّعي احترافيتي له و لن أبلغها البتّة لكنّي أتنفسُه كما أتنفّس الشعر هواءان لا يقلّان أهمية عن هواء الطبيعة فكما الجسد يحتاج لأوكسجين كذلك الروح!
و كي لا أجنح عن السؤال الذي افتتحتُ به نصّي أعودُ إلى نقطةِ الإنطلاقة مصرّةً على إيجادِ جوابٍ حقيقيٍ لما يجعلُ أنثى مثلي تحبُّ الشعرَ و الرقصَ بالدرجة ذاتها و تأبى المفاضلةَ بينهما و كأنّ بينهما قواسمَ مشتركة عديدة!
قرأتُ ذاتَ مرّة أنّ الرقصَ يمثّلُ “مجازاً للفكر” من خلال تحويل الحركة الجسدية إلى تعبيرٍ عن أفكار عميقة تغفو في الذات البشرية و هذا تماماً ما يتقاطعُ مع قدرةِ الشعرِ الذي بدوره يمتلكُ سلطانَ تحويلِ الكلماتِ إلى انعكاساتٍ للأفكار و المشاعر القابعة في نفسِ الإنسان. ما يجعلني ألفتُ الانتباه إلى أنّ الرقصَ كما يرى الكثيرون ليس مجرّد تجسيدٍ لحركاتٍ جسدية فحسبُ و إنّما تجسيدٌ لحركاتٍ روحية و بذلك ليستْ أعضاء الجسد التي تتحرّك و إنّما مكامن النفس و مواضع الروح و الفكر كلّه هو ما يتحرّك تماماً كما يحدث حينما يكتبُ الشاعر بالكلمات فيدركُ بعد ذلك أنّ الإيقاعَ لا يقتصرُ على الكلمات و المفردات بل يتعدّاه إلى الفكر الذي يغذّي قصيدته ما يُحدِثُ أكان في الشعر أم في الرقص نقلة جوهرية من الحركة المرئية إلى الحركة اللامرئية وصولاً إلى بلوغ السكون المطلق أبي الحركات على الإطلاق!
د. ساندي عبد النور
من هنا أستشِفُّ أنّ الرقصَ و الشعرَ ليسا لغةً و إيقاعاً فحسبُ بحكم أنّ الشعرَ يعتمد على الإيقاع في النظم بينما الرقص على الحركة في الجسد بل فكرٌ يتغذّى بهذه الأخيرة و يغذيها في ارتحالٍ وجوديٍ يطال فيما بعد اللاماورائيات التي تفتح في أعماقنا أبواباً لا تعدّ و لا تحصى نحو فضاءٍ من التأويلات. فهذه الأخيرة تعتبر بمثابة خاصيّة يتمتع بها الإبداع وحده – من منظوري – الذي يعرف أنّ كلّ الحقائق مقبولة متى وقف المرء في زاوية من تبناها و رغم تعدّدها لا تستطيع إلا أن تصبّ في عمق الحقيقة المطلقة! و بذلك فإنّنا نأتي الشعر كي ننحت أفكارنا و مشاعرنا كما نأتي الرقص كي ننحت أجسادنا و أحاسيسنا لكنّنا في حقيقة الأمر نأتيهما كي ننحت أرواحنا المنهكة و نصقلها حتّى تعانق الراحة في قلب السرمدي!
د. ساندي عبد النور







