كتب فاروق غانم خداج
(كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني):
من قلب الصفّ العسكري، حيث أنفاس النظام تتعانق مع إرادة الحديد، إلى ساحات الزجل حيث نبض الكلمة يروي حكاية الأرض والإنسان، تشعّ مسيرة الدكتورة كلوديا شمعون أبي نادر كأنموذجٍ فذّ للمثقف العضويّ الذي يصهر الانضباط بالجمال، والهوية بالانفتاح. وفي احتفالٍ مهيب بقصر الصنوبر، بُوركت هذه المسيرة الاستثنائية بتسلّمها ميدالية وزارة الدفاع الفرنسية، تقديرًا لعطائها الأكاديمي وجسرها الثقافي الرابط بين لبنان وفرنسا.
وقد سلَّمها الوسامَ السفيرُ الفرنسي، اعترافًا بجهودها الطويلة في تدريس اللغة الفرنسية وآدابها في الكلية الحربية للجيش اللبناني، وترسيخها المتين للعلاقات الثقافية بين البلدين.
لقد شكّل هذا التكريم حدثًا مميّزًا في المشهد الثقافي اللبناني، لأنه لم يكن مجرّد اعترافٍ بجهدٍ فردي، بل احتفاء بروح المثقف اللبناني الذي لا يزال، رغم الصعوبات، يحمل رسالة المعرفة بصدقٍ وشغف. فالدكتورة أبي نادر ليست مجرّد أستاذة جامعية أو مدرّسة لغة، بل رمزٌ لجيلٍ من المربّين المؤمنين بأن الثقافة هي أقوى سلاحٍ للدفاع عن الوطن.
وقد عُرفت في أروقة الكلية الحربية بشخصيتها الهادئة الصارمة، تجمع بين الانضباط العسكري في الأداء والنعومة الأدبية في الكلمة، ما جعلها جسرًا نادرًا بين الفكر والعقيدة، وبين القيم الإنسانية وروح الانتماء.
من خلال مسيرتها الطويلة، أثبتت أنّ تعليم اللغة الفرنسية في لبنان لا يقتصر على قواعد ومفردات، بل هو تجربة إنسانية متبادلة، تسهم في صقل الذوق وتنمية الحس الجمالي لدى الشباب العسكري، الذي يحتاج – كما السلاح – إلى الفكر والثقافة. كانت دائمًا تقول لطلابها إنّ “اللغة هي مرآة العقل، وإنّ احترام الكلمة احترامٌ للإنسان ذاته”. وبفضل هذا النهج الإنساني، خرجت من تحت يديها أجيالٌ من الضباط والمثقفين الذين يتحدثون الفرنسية بعمق الفكر اللبناني، لا بسطحية التقليد.
د.كلوديا شمعون أبي نادر
ولعلّ ما يميّز الدكتورة أبي نادر أنها لم تحصر اهتمامها في الأدب الفرنسي فحسب، بل احتفت بالأدب اللبناني الشعبي، لا سيما الشعر الزجلي، ورأت فيه ذاكرة وطنية ناطقة تعبّر عن وجدان الناس وتاريخ الجبل وروح المقاومة الثقافية. وقد شاركت في تكريم عددٍ من شعراء الزجل اللبناني، معتبرةً أن هذا الفن، بما يحمله من سجعٍ ومقابلاتٍ ومعانٍ شعبيةٍ صافية، يشكّل وجهًا من وجوه الهوية اللغوية التي يجب الحفاظ عليها.
ولطالما عبّرت في لقاءاتها عن إعجابها بالشعراء الزجليين الذين حملوا الكلمة اللبنانية بصدقٍ وعفوية، ورأت فيهم “حُرّاس الذاكرة الشفهية التي تعانق التراث والفطرة معًا”.
تكريمها في قصر الصنوبر ليس حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل هو إشارة رمزية إلى دور لبنان الثقافي في الفضاء الفرانكوفوني، وإلى حضور المرأة اللبنانية في قلب المشهد الأكاديمي والدبلوماسي. فالميدالية التي منحتها وزارة الدفاع الفرنسية تُعطى عادةً لشخصياتٍ تركت أثرًا متميّزًا في خدمة القيم الإنسانية وتعزيز التبادل الثقافي أو العلمي بين فرنسا وشركائها حول العالم.
أن تُمنح هذه الميدالية لأستاذة لبنانية، فهذا يعني أن رسالة التعليم في لبنان لا تزال تنبض بالحياة رغم الظروف الاقتصادية القاسية التي أنهكت الجامعات والمعاهد.
في كلماتها بعد التكريم، شددت الدكتورة أبي نادر على أن الجائزة ليست لها وحدها، بل “لكل من يؤمن برسالة التعليم كطريقٍ لبناء وطنٍ قويٍّ بالفكر والضمير”. وأهدت الميدالية إلى طلابها وزملائها في الكلية الحربية، وإلى كل أستاذٍ يزرع في نفوس طلابه بذور الأمل والكرامة. لقد بدا واضحًا في حديثها عمق التواضع وصدق الانتماء، فهي من تلك النماذج التي تؤمن أن “المجد الحقيقي للإنسان هو في ما يقدّمه للآخرين، لا في ما يُعلّق على صدره من أوسمة”.
إنّ حضورها الثقافي يتجاوز جدران الكليات العسكرية والجامعات، ليصل إلى الوسط الأدبي اللبناني، حيث تُعرف بحرصها على المشاركة في الندوات الفكرية والأنشطة التي تجمع بين الشرق والغرب في حوارٍ إنسانيٍّ راقٍ. وفي زمنٍ يكثر فيه الانقسام ويبهت فيه الإيمان بالكلمة، تبقى شخصياتٌ من طرازها قادرةً على إعادة الثقة بدور المثقف، ليس كمنظّرٍ أو ناقدٍ، بل كفاعلٍ حقيقيٍّ في المجتمع.
تكريم كلوديا أبي نادر هو تحيّةٌ لرسالة التعليم وللمرأة اللبنانية المثقفة، التي تعرف كيف تجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الوفاء للغة العربية والعشق للغة الفرنسية، لا من باب التباهي، بل من باب الحوار الحضاري. إنها نموذجٌ يثبت أن المثقف يمكن أن يكون جسرًا بين الجيوش والكتب، بين السيف واليراع، بين الوطن الصغير والعالم الكبير.
في النهاية، يبقى هذا الوسام الذي رُفع على صدرها وسامًا للبنان بأسره، لأنه يعيد الاعتبار إلى التعليم والمعرفة في زمن التشتّت، ويذكّرنا بأنّ الكلمة المخلصة قد تصنع ما لا تصنعه البنادق. وهكذا، تواصل الدكتورة كلوديا أبي نادر رسالتها الهادئة، تدرّس وتكتب وتزرع في طلابها حبّ اللغة والنور، مؤمنةً أن الدفاع عن الجمال هو وجهٌ آخر من الدفاع عن الوطن.
الكاتب فاروق خدّاج







