في الحِمِيِّ بتلون… وجدتُ نفسي
عزلةٌ تُنبتُ الحياةَ وتُصغي للصمتِ
بقلم : فاروق غانم خداج
كاتبٌ لبنانيٌّ وباحثٌ في الأدبِ والفكرِ الإنسانيِّ
في وسطِ بتلونَ، تمتدُّ الحِمِيُّ: غابةٌ من السنديانِ تمتزجُ فيها الأرضُ بالسماءِ، فلا تدري أينَ تنتهي الجذورُ وأينَ تبدأ الغصونُ. كثيفةٌ، كأنّها صدرُ الطبيعةِ الذي لا يكفُّ عن التنفّسِ، ومن رحمِها خرجتُ لأعيشَ منذُ سنواتٍ عشرٍ بينَ الأشجارِ والهواءِ والضوءِ الذي يتسرّبُ من بينِ الأوراقِ كحلمٍ قديمٍ.
في قلبِ هذه الغابةِ الصغيرةِ يقعُ بيتي المتواضعُ، بعيدًا عن الناسِ، لا يبلغهُ سوى طريقٍ من حجارةٍ صغيرةٍ غيرِ مُعبَّدةٍ، كأنَّهُ امتدادٌ لرحلةٍ نحو الذاتِ أكثرَ ممّا هو طريقٌ إلى مكانٍ. من حولي تتعانقُ الأشجارُ حتى يصعبَ أن ترى السماءَ كاملةً، غيرَ أنّ ضوءَها يجدُ طريقَهُ دائمًا، كما يجدُ الإنسانُ معنى العيشِ في أحلكِ الظروفِ.
منزل الكاتب فاروق خدّاج
يؤنسني في هذا الركنِ الهادئِ من العالمِ عائلتي الصغيرةُ، ومكتبتي الكبيرةُ، وحديقتي الخصبةُ التي أزرعُها بما تبقّى من الفصولِ والذكرياتِ. هنا أعيشُ حياةً تُشبهُ ما كنتُ أحلمُ به: عزلةٌ بلا وحدةٍ، وسكونٌ لا يخلو من موسيقى الطيورِ والريحِ.
في النهارِ أكتبُ تحتَ شجرةٍ من السنديانِ، أو فوقَ صخرةٍ تشبهُ الكرسيَّ الحجريَّ الأوّلَ في التاريخِ، وحولي الأعشابُ تمتدُّ كخيوطٍ خضراءَ تصلُ بيني وبين الأرضِ. أسمعُ صوتَ الماعزِ في البعيدِ، وصهيلَ الريحِ بينَ الأغصانِ. وفي الليلِ، حينَ تهدأُ الرياحُ ويستيقظُ القمرُ، تمرُّ الثعالبُ بخطًى خفيفةٍ، كأنَّها تحرسُ هذا المكانَ من غفلةِ البشرِ.
في الحِمِيِّ، كلُّ شيءٍ يتكلّمُ بصمتٍ، وكلُّ ما حولي يحملُ ذاكرةً أقدمَ من الذاكرةِ. لا أحتاجُ إلى ساعةٍ لأعرفَ الوقتَ، فالأشجارُ تُخبرني، والشمسُ تُعلّمني متى أبدأُ يومي ومتى أختتمُهُ.

…
كثيرًا ما أجلسُ عندَ جذعِ شجرةٍ عتيقةٍ وأتأمّلُ. تمرُّ في ذهني صورُ الماضي: أبي الذي خسرتهُ وأنا طفلٌ، وأمّي التي فارقتُها وأنا صبيٌّ. وأشعرُ أنّ هذه الغابةَ التي تحتويني اليومَ كانت تنتظرُني منذُ زمنٍ، لتمنحني ما فقدتُهُ: دفءَ الحضنِ وطمأنينةَ الوجودِ.
منذُ أن جئتُ إلى الحِمِيِّ، تعلّمتُ أنَّ الحياةَ ليست في كثرةِ الناسِ، بل في صدقِ اللحظةِ مع النفسِ. هنا تتجلّى البساطةُ في أبهى صورِها: فنجانُ قهوةٍ عندَ الصباحِ، صوتُ عصفورٍ يوقظُ القلبَ، كتابٌ مفتوحٌ على طاولةِ الخشبِ، وريحٌ تمرُّ من بينِ الأوراقِ لتذكّرَني أنَّ الزمنَ لا يتوقّفُ، لكنَّهُ يبتسمُ لمن يعرفُ كيفَ يُصغي إليهِ.
كم من مرّةٍ جلستُ أكتبُ تحتَ مطرٍ خفيفٍ، فتبلّلتِ الأوراقُ ولم أتوقّف. كنتُ أشعرُ أنَّ الكلماتِ تُنبتُ مثلَ العشبِ، وأنَّ الكتابةَ في هذا المكانِ ليست عملًا فكريًّا فحسب، بل هي فعلُ حياةٍ، مقاومةٌ ناعمةٌ ضدَّ النسيانِ.
تعلّمتُ هنا أنَّ الكتابةَ لا تولدُ من الصخبِ، بل من السكونِ الذي يكشفُ أعماقَك. كلُّ نصٍّ أكتبهُ في الحِمِيِّ يحملُ رائحةَ الترابِ وصوتَ الأوراقِ وملمسَ الحجارةِ. كأنَّ الطبيعةَ تُملِي عليَّ ما أقولُ، وأنا مجرّدُ ناسخٍ لما توحي بهِ الأرواحُ القديمةُ التي تسكنُ الجبلَ.
اللوحة التشكيليّة للفنانة وفاء سلوم
وفي هذا السكونِ الممتدِّ بينَ جذوعِ السنديانِ، أخلُو إلى الله كما يخلُو القلبُ إلى من يُحبّ. هو أنيسي في وحدتي، وصاحبي في تأمّلي، أكلّمهُ بغيرِ لسانٍ، وأسمعُهُ في كلِّ نفَسٍ من نسيمِ الجبلِ. هنا، في الحِمِيِّ، أقرأُ كتابَ حكمتي، وقرآني الذي يسكنُ صدري، وإنجيلي الذي يُعلّمني المحبّةَ. كلُّ ما حولي يُذكّرُني بأنَّ النورَ ليس في الشمسِ وحدَها، بل في وجهِ اللهِ حينَ يطلُّ على القلبِ الهادئِ. من هذا المكانِ أُطلُّ على الدنيا بسلامٍ، وأعودُ إليهِ كلَّ مساءٍ لأقول:
أنتَ نوري، وأنتَ أنيسي، وفي حضورِكَ وحدَكَ وجدتُ نفسي.
كلَّ صباحٍ أقولُ لنفسي:
ما دمتَ في الحِمِيِّ، فأنتَ بخيرٍ، لأنَّك عدتَ إلى الأصلِ… إلى الطبيعةِ التي خلقتكَ لتتأمّلَ، لا لتتنافسَ.
وهكذا أصبحت الحِمِيُّ بيتي الأكبرَ، ومدرستي الأصدقَ، وكتابي المفتوحَ على الدوامِ. منها أكتبُ، ومنها أتعلمُ كيفَ تُشفى الروحُ بالسكينةِ، وكيفَ يصبحُ الحرفُ صلاةً لا صوتَ لها إلّا الهمسُ في قلبِ الغابةِ.
في الحِمِيِّ بتلونَ… وجدتُ نفسي.
الكاتب فاروق خدّاج

الكاتب فاروق خدّاج 





